من أرشيف المعارضة السورية

 

جاد الكريم الجباعي

من الصعب الحديث عن حياة سياسية عامة قبل بزوغ الأزمنة الحديثة وتشكل الدول الوطنية الحديثة، بل من الصعب الحديث عن السياسة، بالمعنى المتداول اليوم في الفكر المعاصر والثقافة المعاصرة، والذي ليس له أي ارتسام في لغتنا وثقافتنا التقليدية السائدة وتراثنا وتاريخنا، بلهَ الحديث عن معارضة سياسية، هي أحد عوامل الحيوية والنشاط في الحياة السياسية العامة وأحد مظاهرها، من الصعب الحديث عن السياسة بمعزل عن الدولة الوطنية الحديثة، دولة الحق والقانون، وفكرة الجمهورية، أي العمومية، وبمعزل عن الحياة البرلمانية، بوجه خاص.

ففي تاريخ سورية المعاصر، ارتبطت الحياة السياسية المدنية، بوجه عام، والمعارضة السياسية المدنية، بوجه خاص، بالحياة البرلمانية، التي تمتد جذورها إلى المرحلة الكولونيالية، أي إنها ارتبطت بتشكل جنين الدولة الوطنية وانبثقت منه؛ حين أجبرت الثورات الوطنية، ولا سيما الثورة السورية الكبرى، 1925 – 1927، الحكومة الفرنسية على تغيير سياستها الاستعمارية، والعمل بموجب صك الانتداب، ولو جزئياً، والتفاوض مع الكتلة الوطنية، لإدارة شؤون البلاد، وإجراء انتخابات برلمانية تمخضت عن جمعية تأسيسية وضعت أول دستور للبلاد عام 1928. والدستور هو الصيغة العملية للعقد الاجتماعي.

العقد الاجتماعي الأخلاقي، الذي مهره السوريون جميعاً، على اختلاف أديانهم ومذاهبهم وإثنياتهم، بدمائهم وتضحياتهم ومعاناتهم، في خلال الثورات الوطنية على الاستعمار الفرنسي، ثم تعيَّن دستوراً، أي عقداً سياسياً عاماً، كان بداية تشكل الهوية الوطنية السورية، وتشكل جنين الدولة الوطنية، بالتلازم الضروري، وتعبيراً عن أول تجربة مشتركة بينهم جميعاً في التاريخ المعاصر. والحياة البرلمانية التي عاشوها لماماً، منذ ذلك الحين، كانت تعبيراً عن تشكل حياة سياسية مدنية عامة أرست أسس المواطنة ومبادئ الحرية والمساواة وتكافؤ الفرص وحكم القانون.

الأحزاب العقائدية التي بدأت تحتل موقعاً مهماً في الحياة السياسية بعد الحرب العالمية الثانية، كحزب البعث العربي الاشتراكي والحزب السوري القومي الاجتماعي والحزب الشيوعي السوري وجماعة الإخوان المسلمين، والتي كانت تعبر عن نمو الفئات الوسطى أو "الطبقة الوسطى، وتحمل جميع خصائصها، كانت تمارس السياسة في المجتمع وتحت قبة البرلمان، لا بحكم بناها الديمقراطية، ولا بحكم رؤاها الجمهورية، بل بحكم منطق الدولة الوطنية وسيادة القانون. وقد استبسل بعض هذه الأحزاب، ولا سيما حزب البعث العربي الاشتراكي، إلى جانب الزعماء الوطنيين، في مواجهة الدكتاتورية والدفاع عن الجمهورية وعن النظام الديمقراطي البرلماني.

نريد أن نقول إن منطق الدولة الوطنية هو الذي كان يحدد منطق السياسة ويمنحها محتوى وطنياً وديمقراطياً، ويعزز روابطها بحياة المجتمع بوصفه مصدر الشرعية ومناط السيادة، ونعني بمنطق الدولة تساوي الحقوق وتكافؤ الفرص وسيادة القانون وإيثار المصلحة العامة. وأن نشير، بوجه خاص إلى أن المعارضة السياسية المدنية والسلمية، التي ارتبطت بالحياة البرلمانية، إنما كانت تنافساً شريفاً بين القوى والأحزاب التي حرص كل منها على تقديم أفضل ما لديه لخير المجتمع كله، وكانت تستمد طابعها الوطني والديمقراطي من الدولة الوطنية الناشئة والحرص على ترسيخها وتثبيت دعائمها دولة لجميع المواطنين، بلا استثناء..

فحين انقلب أديب الشيشكلي على الدستور والقانون وأعلن نفسه رئيساً للجمهورية بقوة السلاح، وأقال الحكومة المنتخبة وحل البرلمان، وأجرى استفتاء على دستور جديد للبلاد، قاطعته أكثرية الشعب، تداعى الزعماء الوطنيون والأحزاب السياسية لعقد مؤتمر وطني في مدينة حمص في الرابع من تمز عام 1953، صدر عنه البيان الآتي الذي وقعته 163 شخصية وطنية من الحزبيين والمستقلين، من أبرزهم سلطان باشا الأطرش، القائد العام للثورة السورية الكبرى، وهاشم الأتاسي، رئيس الجمهورية الأسبق، وهذا نصه:

"إن العاملين في الحقل الوطني، حزبيين ومستقلين، قد حرصوا على تنبيه الفئة الحاكمة في سورية مراراً إلى مخاطر استهتارها بإرادة الشعب، فما بالت ولا ارعوت، بل استرسلت في طغيانها ودعمت الحكم الفردي القائم بكل ما تملك من وسائل القوة والإكراه، وحاولت إسباغ مظاهر الشرعية عليه، وهو خاو منها ومن حقائقها، ومهدت لهذه الأوضاع بخرق المبادئ والأعراف الدستورية والقانونية، واستباحة الحرمات، والاعتداء على الكرامات، والتطاول على القيم الفكرية والعلمية، واضطهاد رجال الأمة وأحرارها.

وعلى الرغم من إعراض الشعب عن الاشتراك في عملية الاستفتاء، يصر المسؤول عن هذا الوضع على المضي في تنفيذ خططه وتدابيره، ويدعو إلى ما أسماه انتخابات نيابية، لن تسفر، إذا تمت، إلا عن أشباه الموظفين لا حول لهم ولا طول، لا يمثلون أحداً ولا يكترث بهم أحد، ويجرؤ الحكم القائم بعد ذلك على الزعم بأنه يعمل في ظل الحكم الديمقراطي، متجاهلاً أن حكمه قائم على إنكار سيادة الشعب وقدسية الحريات اللتين لا معنى للديمقراطية بدونهما.

إن العاملين في الحقل الوطني يرون أن المسؤولين عن الأوضاع القائمة، بما يحاولونه من إخلاء البلاد من مراكز التوجيه القومي وعناصر النضال تعرضها لما ينتقص استقلالها وحريتها وسيادتها التي بذلت في سبيلها أكرم جهدها وأزكى دمها، وتستدرجها إلى حال من الضعف لا تستطيع معه القيام بواجبها المقدس نحو قضية فلسطين وقضايا العرب.

ولشعورهم بما تستوجبه هذه الفترة العصيبة التي يجتازها الوطن من تضامن أبنائه لإنقاذ سمعته وكرامته واستعادة الحياة الحرة فيه، وتجنبه المخاطر والمغامرات الملازمة لكل حكم فردي، قد جمعوا أمرهم في جبهة وطنية تمثل الشعب، وتعبر عن إرادة الأمة التي تريد أن تعيش حياة حرة كريمة لا يعكرها استبداد داخلي ولا سلطان أجنبي، ووقعوا هذا الميثاق متعاهدين على العمل بإخلاص وإيمان لتحقيق المبادئ الآتية:

أولاً – شجب الحكم الفردي، وعدم الاعتراف به، واعتبار ما يصدر عنه غير ملزم للبلاد.

ثانياً – إقامة أوضاع ديمقراطية، دستورية جمهورية، نيابية، في البلاد تنبثق من انتخابات صحيحة حرة.

ثالثاً – إطلاق الحريات العامة وضمانها، بحيث يشعر كل فرد من أبناء البلاد أنه في حمى القانون.

رابعاً – حماية الاستقلال والسيادة القومية من المؤامرات الداخلية والخارجية.

خامساً – الجيش ملك الأمة، واجبها تقويته وإعداده للقيام بمهمته المقدسة المنحصرة بالدفاع عن حدود الوطن وسلامته.

وفي سبيل الشروع في تحقيق مبادئ هذا الميثاق يعلن موقعوه أنهم يقاطعون انتخابات يوم 9 تشرين الأول 1953.

وإن الموقعين رغبة منهم في تنظيم العمل القومي وتوجيه الشعب التوجيه الصحيح المستمر قد ألفوا لجنة مركزية للعمل على تحقيق بنود هذا الميثاق، وهم يرجون أن يكتب للشعب بفضل اتحاده ونضاله المشروع الخلاص من محنته والظفر بحقه وحريته وكرامته. (انتهى نص البيان).

يستحق هذا البيان، الذي نقلنا نصه عن نسخة محفوظة لدى الأستاذ نبيل الشويري، ويحتوي أسماء الموقعين عليه ورسالة هاشم الأتاسي في تأييده، يستحق قراءة متأنية، لأنه يعبر عن تمسك المجتمعين، حزبيين وغير حزبيين بالدولة الوطنية (الجمهورية) والنظام الديمقراطي البرلماني، وينم على رؤية واضحة للشرعية والسيادة، الشرعية المستمدة من الشعب، والسيادة بصفتها سيادة الأمة، وسيادة الشعب على نفسه، التي تعبر عنها الانتخابات الحرة الصحيحة، لذلك أجمع موقعوه على مقاطعة الانتخابات التي دعا إليها الشيشكلي، لأنها ستجري في مناخ الدكتاتورية والإرهاب.

 فهل تتعلم الأحزاب العقائدية، اليوم، ولاسيما المعارضة منها، من دروس التجربة الجماعية، التي أسهمت في تبديدها، منذ عام 1958؟ فإن الهوية الوطنية لا تتشكل إلا في خضم التجربة الجماعية، في الفضاء الوطني العام، فضاء الدولة الوطنية التي تحمي مواطنيها وتصون حقوقهم وحريتهم وكرامتهم.