يا شباب سورية : لقد ألقت أقدار التاريخ على عاتقكم مسؤولية

mmm
يا شباب سورية : لقد ألقت أقدار التاريخ على عاتقكم مسؤولية الاضطلاع بتحقيق الاستقلال الثاني لوطنكم . مسؤولية تحرير الإنسان المواطن وإرساء أسس مجتمع الحرية والكرامة والعدالة، وقد تصدّيتم لهذه المهمة بكل كفاءة واقتدار وتحضّر.. يشهد لكم بذلك العالم كله .
منذ أول يوم لانطلاق هذه الانتفاضة، قبل ستة أشهر، برهنتم على الدوام عن تصميم لا يلين، وعزم لا يعرف التردد، وعن إرادة صلبة وواعية بحجم ونوعية التضحيات المطلوبة من أجل الوصول إلى الهدف المنشود..
عبّدتم، وما زلتم، طرق هذه الثورة التي احتضنها والتحم بها شعبكم بدماء الشهداء الزكية التي تسفح كل يوم في ساحات وشوارع مدننا وقرانا من قبل عصابات أمن النظام الهمجي المستبدّ، ومن قبل كتائب وقطعات المؤسسة العسكرية التي انتهكت حرمة الواجب الوطني للجيش السوري في الدفاع عن سيادة البلاد واستقلالها وتحرير أرضها المحتلة .
عبّدتم، وما زلتم، طريق هذه الثورة، أيضاً، من خلال معاناة عشرات آلاف الجرحى والمعتقلين والمشردين والمفقودين.. ذلك لأنكم آمنتم أن هذه الثورة لا تستهدف استبدال سلطة غاشمة قائمة بسلطة أخرى، لكنها الثورة التي تستهدف صنع حياة جديدة ومستقبل آخر لشعبكم . مستقبل لا يبنى إلا بثمن غال وتضحيات جسام.. ولأنكم أدركتم، في الوقت نفسه، أن إجهاض هذه الثورة، أو تعثرها، أو وقوفها في منتصف الطريق .. ستكون النتائج وبالاً على وجود شعبنا ووحدته الوطنية وعلى مستقبله إلى أمد بعيد .
يا شباب الثورة السورية :
بوعيكم وتصميمكم وتضحياتكم لا بدّ أن ينبلج قريباً صبح الغد الأفضل لشعبكم. غد يستعيد فيها الشعب ذاته ويمتلك قدراته وإمكاناته غير المحدودة .
بفضل إرادتكم الصلبة والواعية التي فجّرتم فيها ثورة شعبنا، كما فجّر قبل ذلك شباب تونس ومصر واليمن وليبيا ثورات بلادهم الشعبية، جعلتم شعوب العالم الأخرى التي كانت تنظر إلى أمتنا ومجتمعاتنا كحالة خاصة تتسم بالقصور والعطالة وتعيش خارج مسار التاريخ مستعصية على قابلية التطور والديمقراطية والحداثة.. ينظر اليوم إلى شعوبنا المنتفضة نظرة تقدير وإعجاب وثقة في أنها عائدة إلى أخذ موقعها في مسار التاريخ .
هكذا يا شباب سورية فإنكم تؤكدون كل يوم بالمثال الحي الذي تقدّمونه الحقيقة الأساسية التي استخلصتها البشرية عبر كفاحها الطويل على مرّ العصور، وهي أن تاريخ العالم في جوهره لم يكن إلا التجسيد الواقعي لمسار تطور الوعي بالحرية التي هي قبل كل شيء آخر : ماهية الوجود الإنساني.. وها أنتم تؤكدون على طريقها الاستعداد الدائم لتقديم التضحيات المطلوبة . هذا يعني أن انتصار هذه الثورة أصبح مرتبطاً بوجود الشعب السوري كله، وبوجود كل مواطن فيه .
يا شباب سورية :
لقد ذهب البعض، وربما بحسن نيّة، في وصف ثورتكم بأنها عفوية، مقطوعة الجذور عن مسار الكفاح الوطني الديمقراطي في سورية الذي تواصل منذ أكثر من نصف قرن ..ثورة أطلق شرارتها حدث معيّن.. غير أن مثل هذا التوصيف الذي قد يكون مبعثه الإعجاب والتقدير للدور الذي اضطلعتم به لا يتفق مع واقع الحقائق الموضوعية، ولا مع أولويات حقائق الاجتماع السياسي بشأن الثورات وظروف قيامها، وتراكماتها، وأسبابها البعيدة والقريبة . فالثورة في عصرنا الراهن ليست بالتأكيد هبّة شعبية عارضة في وجه سلطة مستبدّة، أو نظام متخلف يفقد الشرعية، بل هي فوق ذلك تجسيد لإرادة الشعب في بناء مجتمع بديل في كل الجوانب السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.. والثورات التي نجحت في تحقيق مشاريع النهضة إنما تسلّحت بالرؤية الصائبة لطبيعة تحدّيات الواقع وتعقيداته، وكذلك بالوضوح الكافي لبناء صورة المستقبل المنشود.
والثورة السورية الحالية قد نضجت ظروفها نتيجة تراكم دروس وعبر التجارب والمحاولات السابقة في تاريخ الشعب السوري بحثاً عن التغيير والتقدم والديمقراطية، والتي أخفق بعضها ونجح بعضها الآخر. ونتيجة المعاناة المديدة لسياسات القهر والاضطهاد والتمييز التي مارسها النظام الحالي من جهة، وكذلك عوامل القصور والتخلف والإعاقة التي تتسم بها أوضاع المجتمع من جهة ثانية .
الثورة السورية الحالية التي تتميّز عمّا سبقها من ثورات عاشها شعبنا منذ المراحل الأولى للكفاح ضد الاستعمار المباشر بشمولية أهدافها التحررية ووحدة أداتها التي هي الشعب كله . هذه الثورة قد نضجت ظروفها وتبلورت هويتها واكتسبت وعيها في خضمّ مخاض شاق امتدّ لأكثر من أربعة عقود، وتضافرت فيه أدوار كل من النخب الفكرية والثقافية وجميع الأحزاب والقوى السياسية الوطنية والديمقراطية ولجان حقوق الإنسان.. تلك الأحزاب والمنظمات التي لم تتردد أو تبخل في تقديم قوافل الشهداء والمعتقلين والمنفيين قسرياً .
يا شباب سورية :
إذا كنتم تؤكدون إرادتكم كل يوم من خلال تصاعد حجم وفعل الانتفاضة الشعبية السلمية، وحدة حراكها وخطابها.. والتي هي بلا شكّ العامل الحاسم في صنع الانتصار المنتظر، فإن هذه الإرادة التي برهنت للجميع، حتى الآن، عن مستوى عالٍ من الوعي والحنكة والدراية في التعامل مع التحدّيات التي استجدّت، ستكون دائماً أقدر على مواجهة المهمات الملحة سواء في مرحلة العمل لإسقاط النظام، أو في المرحلة الانتقالية لبناء النظام البديل.. كلما كانت صورة الماضي القريب ماثلة أمامها، وكلما كانت دروس وعبر هذا الماضي مستوعبة في وعيها .
وإذا كان واجبنا الأول، نحن جيل الآباء الذين سبقناكم في رحلة العمر، وبغض النظر عن أوضاعنا الحالية: أشخاصاً كنا أم أحزاباً أم هيئات، أن نضع الآن أنفسنا تحت تصرفكم وأن ندعم ثورتكم، ثورة شعبنا كله، بكل ما أوتينا من جهد وقدرة، وبكل ما توفر لنا من تجربة وخبرة، فإننا لنبرأ بأنفسنا أن نمارس عليكم دور الوصاية، أو ندّعي أهليتنا لتوجيهكم..
لكننا، وانطلاقاً من الحرص على إحراز النصر بأقل التكاليف، وأفضل الصيغ، نشعر أن من واجبنا، أيضاً، وعبر التفاعل والحوار بيننا، أن نضع بين أيديكم بعضاً من خلاصة وحصاد حقبة تاريخية عاشها جيلنا . حقبة الأهداف الكبرى والآمال العريضة التي كانت تحفّز وتغذّي كفاح شعوب أمتنا على طريق تحررها الشامل . الجيل الذي خاض معارك التحرر المختلفة وفي مختلف الجبهات، وواجه التحديات الصعبة ، وكان حصاد تلك الحقبة التاريخية ما هو ماثل اليوم، سواء على صعيد كل قطر، أم على صعيد القضايا المركزية للأمة، وفي مقدمها قضية فلسطين، أو الوحدة العربية .
الوعي السليم لا يمكن أن يُكتسب دون ذاكرة تختزن وتستوعب دروس ووقائع التاريخ، ولا يمكن لأجيال الحاضر والمستقبل أن تمتلك الرؤية الصائبة وهي تسعى لبناء المستقبل المنشود الذي تطمح إليه دون معرفة كافية بتاريخ مجتمعها، واستخلاص العبر والنتائج من تجاربه ومن تجارب الشعوب الأخرى . ولا شك أن مثل هذه الضرورة تتضح أهميتها إذا تذكرنا مدى التشوية والتخريب والتجهيل الذي ألحقته أنظمة الاستبداد الشمولي في برامج الثقافة والتعليم، ومدى ما نجم عن ذلك من آثار سلبية على وعي المجتمع عامة، والأجيال الناشئة بصورة خاصة .
من هذا المنطلق فإن غاية ما أهدف إليه من هذه الرسالة هو أن أضع أمام شباب سورية الذين يصنعون ثورتها الآن، وجهة نظر متواضعة أستعرض فيها بإيجاز، وبالموضوعية التي أحرص عليها ما استطعت إليها سبيلا، المراحل والمنعطفات التاريخية التي مرّت بها سورية منذ الاستقلال وحتى الوقت الحاضر، وما قدّمته تلك المسيرة من حصائل ومن دروس مهمة لا بدّ من وعيها جيداً لتجاوز ما قد يعترض هذه الثورة من مطبّات ومزالق، والمساعدة في إنجاز مهمات الانتقال من نظام الاستبداد الشمولي وبناء دولة الحق والقانون ـ الدولة المدنية الديمقراطية المجسّدة لإرادة شعبنا في مواصلة التقدّم الحضاري، وفي الحياة الحرة الكريمة .
المصدر : . . mm









أضف تعليق