وعي الواقع في فكر ياسين الحافظ

نشر بتاريخ :3 10 2011 | الساعة 11:58

بقلم : . . منير الحظيب

الحديث عن ياسين الحافظ وفكره، في ذكرى وفاته الثالثة والعشرين، ليس حديثاً احتفالياً،ولا يجوز أن يكون كذلك، إذا أردنا أن نكون أوفياء لياسين الحافظ، بل هو دعوة إلى إعادة إنتاج جوهر فكره القائم أساساً على الذهاب بعيداً في نقد عمارة المجتمع ونقد أيديولوجياه وتفنيدها، قبل نقد السطح السياسي، لأننا أحوج ما نكون اليوم إلى نقد هذه البنية المجتمعية وإفرازاتها، قبل نقد السلطة السياسية،

 كما أن الحديث عن ياسين الحافظ وقضاياه النظرية والسياسية التي أثارها في سبعينات القرن الماضي، والتي جعلته في نظر الكثيرين آنذاك "هرطوقاً" و "تحريفياً"، يعني مواصلة النقد الذي بدأه للتيارات الفكرية والسياسية التي قادت ما اصطلح على تسميته حركة النهضة العربية الثانية.

فعندما كان الفكر القومي والفكر الاشتراكي الماركسي يستريحان على مخدات أيديولوجية، ويطمئنان إلى الحتميات التاريخية، كان ياسين الحافظ يؤرقه واقع الأمة، وعطش فاوستي لمعرفته، ببعديه التاريخي والعالمي، فكان وعيه النقدي نتاج سيرورة انتقاله من الوعي الأيديولوجي إلى وعي الواقع.

لقد نبذ الحافظ الوعي الأيديولوجي بوصفه وعياً زائفاً للواقع، مما، مما جعله ينظر إلى الصراع بين القوميين والماركسيين على أنه صراع أيديولوجي بامتياز؛ ففي سيرورة تشكل وعيه النقدي هذه التي لم تأت دفعة واحدة، نبذ المنهج الإيمانوي في الفكر القومي، وتخلص من دوغمائية الفكر الماركسي آنذاك، لينجز بذلك عملية التصالح التاريخي بداخله وفي وعيه بين القومية والماركسية، فاحتفظ بالأهداف القومية العربية وأدرجها في سياق رؤية ماركسية متعارضة مع الستالينية وتجلياتها المحلية.

النقد الذي مارسه ياسين الحافظ للمجتمع وأيديولوجياه أساساً، ثم لتعبيراته وحيزاته الاجتماعية والثقافية والسياسية، وهو نقد جذري لا هوادة فيه ولا تدليس ولا مصالحة مع التقليد، لا يمكن الإلمام به إلا من خلال تسليط الضوء على منظومة مترابطة من المفاهيم استخدمها في التحليل للوصول إلى تشكيل وعي يزعم أنه أكثر اقتراباً من الواقع، يأتي في مقدمة هذه المفاهيم: مفهوم التأخر التاريخي، ومفهوم الأيديولوجيا، ومفهوم الثورة القومية الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي، ثم مفهوم الوعي المطابق. منظومة المفاهيم هذه شكلت لديه اتساقاً منهجياً، وأبرزت موقفاً متسقاً من جميع الموضوعات التي عالجها، بدءاً بالتجربة التاريخية الفيتنامية ومقارنتها بالتجربة التاريخية العربية، مروراً بقضايا الناصرية والصراع العربي الصهيوني واتجاهات تطور المجتمعات العربية الداخلي، وصولاً إلى تحليل الحرب اللبنانية ومشكلة الأقليات في الوطن العربي. وسوف أحاوف تسليط الضوء على هذه المفاهيم وآلية اشتغالها في فكر ياسين الحافظ، مؤكداً أن الفصل فيما بينها وأخذ كل منها على حدة هو فصل إجرائي، في حين يلحظ قارئ ياسين الحفظ ترابط هذه المفاهيم واتساقها في ثنايا تحليلاته. فمفهوم الأيديولوجيا، على سبيل المثال، يندرج في سياق مفهوم التأخر، ومفهوم الثورة القومية الديمقراطية يستدعي مفهوم الوعي المطابق.

إن التقاط الحافظ لإشكالية التأخر التاريخي للشعب العربي، بالتساوق مع عبد الله العروي، كان المفصل الذي جعله يفترق عن الفكر القومي والفكر الماركسي المسفيت.

مع إشكالية التأخر التاريخي بدا التفسير "الطبقي" لمسائل الواقع العربي متهافتاً, ما لم يرتبط بالتحليل التاريخي. كما بدا منطق الرومنسية القومية هزيلاً, لا سيما حين يلقي تبعة هزائم الأمة على الخارج، وعلى المؤامرات الاستعمارية والإمبريالية.

والتأخر التاريخي للشعب العربي، كما لاحظ الحافظ، هو تأخر أيديولوجي سياسي أساساً، أي تأخر في الوعي والفكر منظوراً إليهما من خلال ممارسة المجتمع. ويتجلى هذا التأخر سياسياً في غياب دور الشعب وفي سيادة الروح الرعوية (من الرعية) وفي سيكولوجية عبد سلطان، كما يتجلى اقتصادياً في كون الاقتصادات العربية مندلقة على الخارج ومنقطعة فيما بينها، ويتجلى أيديولوجياً، وهذا هو الأهم، في سيطرة التقليد على كتلة الأمة، وهو تقليد مناف لروح العصر، ومجاف لمنطق التقدم. الأيديولوجيا العربية التقليدية مفوَّتة، تعيش زمناً غير زمنها؛ وهي التي تحدد زاوية رؤية الإنسان العربي للكون والتاريخ والطبيعة والمجتمع والدولة والإنسان، والمرأة بوجه خاص. فالإنسان معرَّف لديها بالإيمان والتقوى والطاعة والامتثال والتصديق والرضا والتسليم والقناعة، لا بالعمل والعقل والحرية والمعرفة والخلق والإبداع. الإنسان في نظرها ضعيف عاجز، وموضوع لفعل الطبيعة والقوى الخارقة الغيبية، وليس القادر على تغيير أشكال الطبيعة والمجتمع وعلى بناء التاريخ. الإنسان للتأمل والدهشة وتسبيح قدرة الخلاق العظيم، لا للمعرفة والاكتشاف. الإنسان للإثبات والتوكيد والتأييد، لا للرفض والنفي والنقد.

والتاريخ لديها ليس من صنع الإنسان، وغير قابل للتحسن بتدخل البشر، بل هو انبساط للوحي، ويزداد انحطاماً وتلوثاً كلما ابتعد عن زمن الوحي؛ فتغدو مهمة البشر، وفقاً لها، هي استحضار العصر الذهبي الذي مضى، والعودة إلى السلف الصالح، فالابتعاد عنه هو سبب بلايا الأمة ومصائبها. فلا يصلح حال الأمة إلا بما صلح به أولها.

والمرأة في مرآة الأيديولوجية التقليدية "حرمة"، ناقصة عقل ودين، وهي أداة إمتاع جنسي للرجل، إن لم تجلب العار، تجلب العدو إلى الدار.

هذه الإيديولوجية المفوَّتة لا تحترم العمل والإنتاج، ولا تقيم وزناً للوقت، ولا تدرك معنى مفاعيل الزمن، وهي، في نظر الحافظ، لب التأخر التاريخي للشعب العربي، فلم نعد، في ضوء هذه الرؤية، أمام تقدم فئة اجتماعية وتأخر فئة أخرى، بل نحن أمام مجتمع متأخر برمته: البرجوازية متأخرة، والطبقة العاملة متأخرة، والأمة متأخرة، وكذلك الانتلجنتسيا والأحزاب، بما فيها أحزاب المعارضة...

مع ياسين الحافظ لم يعد التأخر تخلفاً في عملية الإنتاج، أو تخلف الاقتصاد، بل هو تأخر في ذهنية المجتمع وفوات أيديولوجيته.

إشكالية التأخر التاريخي قادت ياسين الحافظ مع عبد الله العروي، إلى اكتشاف أهمية الليبرالية لتحديث المجال الثقافي العربي الذي تشغله هذه الأيدولوجية التقليدية، فغدا السؤال الملح. "كيف يمكن للفكر العربي أن يستوعب مكتسبات الليبرالية قبل (وبدون) أن يعيش مرحلة ليبرالية؟ واليبرالية في نظر الحافظ هي منظومة القيم والمبادئ والأفكار التي تبلورت في أوربا في القرنين 17و18 وحاربت بها البورجوازية الصاعدة الأفكار والتصورات والمؤسسات الوسطوية والإقطاعية.

استناداً إلى، إشكالية التأخر التاريخي قام الحافظ بتحليل عدد من التظاهرات المهمة في الوطن العربي كان أبرزها:

أولاًـ ظاهرة هيمنة الخارج على الداخل، سواء الهيمنة الاستعمارية سابقاً أو الهمينة الأمريكية لاحقاً، وظاهرة التبعية للخارج، مع التأخر التاريخي لم تعد الهيمنة مجرد فعل استعماري هدفه النهب الاقتصادي للدول المختلفة، بل إن البنى الاجتماعية والأيديولوجية والسياسية، فضلاً عن الاقتصادية، التي كانت تعاني بالأساس حالة فوات، قبل الاجتياح الغربي، أعيدت صياغاتها تحت ضغط هذا الاجتياح، وفقاً لمتطلبات السياسة الكولونيالية. إعادة الصياغة هذه خلقت تشويهات في البنية المجتمعية العربية، فلم نعد إزاء ضعف في النمو، بل إزاء نمو مشوه. ولم يعد بوسع المجتمع العربي أن يحافظ على تقليديته الصرفة، ولم يستطع في الوقت ذاته أن يستوعب منجزات الحضارة الغربية، فأنتج فكراً "نغلاً" هجيناً. وطوعت مفاعيل الهيمنة الاستعمارية ثم الليبرالية بناه المتأخرة وتعشقت معها، ليعاد بذلك إنتاج التأخر بأشكال أكثر قبحا وشيناًَ. التأخر الداخلي، في رأي الحافظ، هو أساس استقدام الخارج، وأساس النهب المتوحش لمجتمعاتنا، والأساس الموضوعي للهيمنة الإمبريالية المطلقة عليها، وهو الذي يفسر استقدام الجانب الاستهلاكي من الحضارة الغربية. فالعرب الذين يطردون ماركس وديكارت واسبينوزا وكانط وهيغل من حياتهم الثقافية، يقبلون بنهم شديد، وأكثر من شعوب الأرض جميعاً على استيراد الويسكي وأفلام الجنس وأساليب الربح السريع. فبحسب سمير أمين، تستورد دول الخليج 70 % من أفلام الجنس العالمية. كما أن قيام إسرائيل، بوصفها ظاهرة فرعية من الظاهرة الاستعمارية، لم يكن ليتم لولا التأخر التاريخي للشعب العربي؛ فإسرائيل ضفدعة لا يمكن أن تهزم الفيل العربي، لو لم يكن هذا الفيل خائر القوى وممزق العضلات ومشلول الدماغ.

إن تصفية مفاعيل الهيمنة الإمبريالية في مجتمعاتنا، تبدأ بتصفية التأخر.

الظاهرة الثانيةهي ظاهرة التأخراكيات أو (الاشتراكيات المتأخرة). فالأفكار الاشتراكية وفدت إلى مجتمعاتنا العربية بدون نسغها الأوربي التنويري. وإن ماركس هاجر إلى الشرق بدون أن يحمل معه هيغل وديكارت وليبنز وسبينوزا. بعبارة أخرى، لم يحمل معه عصر التنوير الأوروبي الذي يشكل جذر الماركسية التي هي بنت الغرب الصناعي. وفدت هذه الأفكار لتبني اشتراكية من فوق المجتمع، وعلى بناه المتأخرة، وعلى كل إشكالاته ما قبل القومية وعلى نسيجه الوسطوي، لتنتج بالتالي نمطاً من الاشتراكية المتأخرة اختزلت إلى مجموعة من المنظومات التنموية أطلق عليها الحافظ اسم التأخراكيات.

الظاهرة الثالثة: هي انتقال العرب من الزمن الناصري إلى الزمن الشخبوطي وما رافق هذا الانتقال من علاقات سياسية وأيديولوجية واجتماعية ما كان يمكن أن تتم لولا إشكالية التأخر. فتراجع العرب من سياق تشكل جنين الدولة الأمة أو الدولة الأموية إلى مرحلة ما دون الدولة، وتراجعوا من سياق بدايات تشكل مجتمع مدني إلى مناخ الاختلاط والسديمية والتكسر المجتمعي والتذرر، ومن عصر الوحدة إلى زمن الااستنقاع الإقليمي، وتجذر الدول القطرية وكياناتها الهزيلة.

كما دخل العرب، مع الزمن الشخبوطي، حروب التدمير الذاتي القذرة لمجتمعاتهم، فكانت الحرب الطائفية اللبنانية، والحرب العراقية الإيرانية، والحرب اليمنية، والحرب الليبية التشادية والحرب الجزائرية، والحرب في جنوبي السودان، وحرب الخليج الثانية.. وكلها حروب متوحشة وعبثية تفتقت في جسد الأمة، في مرحلة إعادة الهيمنة الإمبريالية على مجتمعاتنا.

إن التأخر التاريخي للشعب العربي يقبع في خلفية هذا القضم السهل لمنجزات النضال القومي خلال نصف قرن، ويفسر الانتقال الأليم من زمن الحلم القومي الذي كان واقعاً معاشاً إلى زمن الهزائم، ويفسر أيضاً عملية نزع الناصرية والمشروع الناصري التي تمت بيسر، ويفسر الارتداد على عملية التسييس السطحية أساساً التي تمت في مجتمعاتنا. في ضوئه يصبح من المفهوم لماذا كانت الجماهير التي تدخلت في 9 و 10 حزيران يونيو 1967 وأعادت عبد الناصر إلى السلطةهي نفسها التي زحفت إلى الشوارع لتستقبل نيكسون رمز أعتى إمبراطورية ما برحت تلحق بأمتنا الهزيمة تلو الأخرى. يتداخل مفهوم الأيديولوجية مع مفهوم التأخر التاريخي، عند ياسين الحافظ، في خضم نقده للهزيمة التاريخية للمجتمع العربي، إذ إن سبب الهزيمة هو إيديولوجية سائدة وفكر سائد. مع النقد الإيديولوجي ينتقل الحافظ إلى الحيز الذي تتركز فيه مسألة الفوات التاريخي للعرب، فيتصدى بصرامة منهجية إلى الإنتلجنتسيا العربية مفنداً وداحضاً تياراتها الإيديولوجية على اختلاف تلاوينها واتجاهاتها والتي تشترك، رغم اختلافها في مسألتين هامتين:

الأولى: أنها تستخدم مناهج غير مطابقة لأهدافها المرفوعة.

والثانية: أنها تنطلق من الهدف إلى الواقع، لا من الواقع إلى الهدف، ولذلك أنتجت سياسة مبنية على الشعارات والرغبات والأحلام الأيديولوجية المسكرة.

فالتيار السلفي، تحت ضغوط الغرب الكولونيالي وتحت ضغط الشعور بالهزيمة، والشعور الدونية أمامه، هرب للاحتماء بالتراث، وراح يستحضر عصراً ذهبياً مضى منذ 1400 عام متوهماً أنه سيواجه الغرب بعملية الاستحضار هذه، فشطر الغرب شطرين: تكنولوجي وفكري، ورفض القسم الفكري وحاول أن يصنع توليفة بين الشق التقاني للغرب وإعادة إحياء اتراث العربي متجاهلاً الجذر المعرفي والثقافي للتكنولوجيا الغربية. إن نهاجيته المتمثلة بالقياس أو المحاكاة لفكر الأسلاف تلغي الواقع ومسائله وإشكالاته، وتلغي الإنسان بوصفه إنسان العمل والإنتاج والإبداع.

بالصرامة النقدية ذاتها للتيار السلفي، ومن موقعه داخل الحركة القومية العربية، بوصفها حركة متجهة إلى المستقبل، أو ينبغي أن تكون كذلك، قام الحافظ بنقد التيار القومي التقليدوي والتقليدوي الجديد انطلاقاً من منظور الثورة القومية الديمقراطية ذات الأفق الاشتراكي. فبدأ بنقد العناصر الماضوية في الفكر القومي، وبنقد عملية التصالح المدلس بين "الحداثة" والتقليد في ثناياه. فتحت وطأة العصر الحديث وإلزاماته راح الفكر العربي يرنو إلى دخول هذا العصر، لكن ثقل رواسب الماضي في أيديولوجيته جعلت وتجعل سعيه إلى ولوج العصر أشبه بسعي المهربين، إذ يريد دخول العصر خلسة عن أعين الماضي، أو بمباركة منه. كما فند منهجه الإيمانوي الذي يتجه إلى التأكيد دون مناقشة، ويتعارض مع الروح النقدي الذي يبدأ بالشك في كل شيء.

وتعارض مع النزعة الرومنسية لهذا التيار، تلك التي تنظر إلى التجزئة، مثلاً، على أنها فعل استعماري، وأنها ستزول بزوال ذلك الفعل. كما نقد بحزم غياب سفحي القومية عن منظورات الفكر القومي، وهما العلمانية والديمقراطية، فالقومية العربية لا تعرَّف بالتعارض مع الخارج، ولا هي حركة انثناء نحو الداخل، بل يجب أن تكون، بعلمانيتها وديمقراطيتها، نسيجاً سوسيولوجياً جديداً للمجتمعات العربية يضعها على عتبة العصر الحديث.

ومع أن ياسين الحافظ كان مع عبد الناصر باستراتيجيته وتكتيكاته، وكان من أشد المدافعين عن الناصرية، إلا أنه ميز بين الناصرية كمشروع لتقدم الأمة وبين النظام الناصري البيروقراطي المتأخر عن وعي عبد الناصر التاريخي، فنقد هذا النظام، وعلى الأخص قضية التناقض بين ثوريته السياسية ومحافظته الأيديولوجية.

ياسين الحافظ الذي دافع عن عبد الناصر خاصة في سياساته المتعلقة بالوحدة العربية وبقضية فلسطين، كان ضد اللعب بالقضية الفلسطينية. لأنه كان يدرك مدى ثقل التأخر العربي ومسؤوليته في إقامة الكيان الصهيوني، ومدى ارتباط المشروع الصهيوني بالمشروع الإمبريالي العالمي، فتتمسك بمقولة موازين القوى وضرورة تعديلها لصالح أمتنا في غمار هذا الصراع الطويل والمعقد والتاريخي مع أعداء الأمة. ولذا تصدى، بالرؤية النقدية نفسها، لمنظورات منظمة التحرير الفلسطينية للصراع العربي الصهيوني، تلك المنظورات الإقليمية والسلاحوية والشعارتية.

وكما نقد ياسين الحافظ التيار القومي، من مواقعه القومية، كذلك نقد التيار الماركسي من مواقع ماركسية متجاوزة الإسقاطات المحلية للستالينية.

إن الستالينية التي هي أسوأ أنواع المثالية، في نظر المفكر الراحل الياس مرقص، تمثل في نظر ياسين الحافظ، انحطاط الماركسية، ونسختها المحلية منحطة انحطاطاً مضاعفاً، وذلك بتسطيحها الواقع العربي على سرير بروكست وإدخالها التاريخ البشري كله في نظرية المراحل الخمس المعصومة عن الخطأ. فبتأثير تبعية التيار الماركسي الأيديولوجية والسياسية للخارج، من جهة، وبتأثير نهادجيته الدوغماتية، من جهة ثانية، أنتج رؤية حولاء للواقع العربي تمثلت في ما يلي:

1.                                   في ازوراره عن مسألة الوحدة العربية، واعتباره إياها نافلة برجوازية، وعدم رؤيته أن التجزئة تشكل آلية عمل الإمبريالية الموضوعية، في بلادنا.

2.                                   في رؤيته الطبقاوية، وحصره كل أنواع الصراعات في الصراع الطبقي بما في ذلك الصراع العربي الصهيوني الذي يعتبره فرعاً منه.

3.                                   في عدم التقاطه لخطورة الانقسامات العمودية في جسد المجتمع العربي، والإشكاليات ما قبل القومية، وذلك بتأثير الستالينية التي اعتبرت القومية مرحلة تجاوزتها البشرية، وأن هذه الأخيرة تعيش مرحلة الانتقال إلى الاشتراكية. لذا لم ير التيار الماركسي الأهمية المفتاحية لمفهوم الثورة القومية الديمقراطية في مجتمعنا.

إن حيدان وعي التيار الماركسي عن مشكلات الواقع العربي الملموسة وتمسكه بإشكاليات أيديولوجية الطابع جعله برانياً وهامشياً. وطالما دعا ياسين الحافظ إلى تجوين الماركسية وجعلها وعياً جوانياً للإنتلجنتسيا العربية، وإكسابها دماً ولحماً عربيين بانطلاقها من الواقع إلى الهدف.

إن هذه التيارات الثلاث كونت لدى الإنتلجنتسيا العربية وعياً أيديولوجياً مستلباً، استلابه إما سلفي وإما اغترابي.

إن إدراك ياسين الحافظ لعمق وكثافة التأخر التاريخي للشعب العربي وتعبيرات ذلك التأخر، كغياب دور الشعب، وسيطرة إيديولوجية وسطوية، ما دون قومية، وبروز صراعات وانقسامات مرتبطة بها، وإدراكه العميق لخطورة التكسر المجتمعي ونقص الاندماج القومي، وأثره في تعطيل قوى الأمة، وإبقائها خارج العصر وتفاعلاته، جعله يؤكد الموقع المميز لمفهوم الثورة القومية الديمقراطية.

والثورة القومية الديمقراطية هذه التي تستدعيها طبيعة النسيج المجتمعي الداخلي للأقطار العربية الموسومة بسيطرة الأمية على الكتلة الأساسية من الأمة، وبقاء واقع المرأة محكوماً بالرؤية الدينية التقليدية، وبالطابع الكامن حيناً والمتفجر حيناً آخر لوضعية الأقليات غير العربية والأقليات الدينية غير الإسلامية والأقليات المذهبية الإسلامية، وبحالة التجزئة القومية، وسيطرة الدول القطرية المندمجة في السوق العالمية والمنجدلة على حبال الهيمنة الإمبريالية، كل ذلك يجعل مضامين الثورة القومية الديمقراطية العلمانية ومنطوياتها تتجاوز المنظورات الماضوية في الفكر القومي، ومنظورات التيار الماركسي التي تعتبر المسألة القومية معيقاً للتاريخ بوصفها إنجازاً برجوازي الطابع، فالقومية قبل أن تكون حركة توحيد العرب، هي الحركة الداخلية في الأقطار العربية، لتغيير هذا النسيج الداخلي المفوت وجعله في مستوى العصر.

والديمقراطية لا تنحصر في صندوق الاقتراع، وفي مقولة "حكم الشعب نفسه بنفسه ولنفسه" ولا تتحدد، فقط بعلاقة السلطة بالشعب، بل هي أوسع من ذلك بكثير، إنها حركة مجتمعية تستند إلى منجزات الثورة البرجوازية في الغرب، بوجه عام، وبالإنجاز الليبرالي وما ينطوي عليه من مفاهيم حرية الفرد والمواطنة وحقوق الإنسان والتعددية، والشك وكسر سلطات اللاهوت، واحترام الشغل والوقت وسيادة القانون، ونبذ العنف خارج المجتمع ... إلخ.

والديمقراطية بوجه خاص يجب أن ترتكز على العلمانية بوصفها حركة توحيد المجتمع لا تلحيده، وبوصفها أيضاً مشروع استقلال المجتمع عن أي هيمنة أو تسلط روحي أو أيديولوجي مصدره السماء أو الأرض، على حد سواء.

فلا ديمقراطية بدون مجتمع علماني موحد ومستقل عن أي هيمنة. ولا معنى إذا للحديث عن قومية حديثة بدون سيرورة علمنة ودمقرطة المجتمع العربي في العمق، فالقومية بدون سفحيها هذين ستكون استبداداً ونكوصاً للخلف، لا مشروعاً للمستقبل.

وضع التأخر التاريخي للشعب العربي وإفرازاته، من جهة، والوعي الأيديولوجي لدى النخب العربية، من جهة ثانية، دفعا ياسين الحافظ إلى صياغة مفهوم "الوعي المطابق"، في معارضة استلاب الوعي الإيديولوجي. والوعي المطابق يعني أولاً التمسك بمنهج مطابق للأهداف، هذا المنهج يتعارض مع النظرة الدوغمائية والأيديولوجية التي تنظر إلى الواقع على أنه مؤلف من لونين أسود وأبيض، أما الوعي المطابق فيرى الواقع مؤلفاً من ألوان لا حصر لها. الوعي الأيديولوجي يرى أن الحقيقة مطلقة وثابته، أما الوعي المطابق فيراها نسبية ومتغيرة، الوعي الأيديولوجي يقيم انفصالاً بين الباطن والظاهر. الوعي المطابق لا يرى مثل هذا الانفصال. الوعي الإيديولوجي يعتمد على الحدس والتقريب والعموميات والشعارات، أما الوعي المطابق فيعتمد على التحليل والتركيب والتحديد وعلى التفاصيل الدقيقة. الوعي الأيديولوجي ينطلق من الرغبة والشعور والمعتقد. أما الوعي المطابق فينطلق من الوقائع والمعطيات القائمة. الوعي الأيديولوجي تقريري، والواقع، في منظوره، معطى نهائي، والوعي المطابق يقوم على منهج تحليلي ويكتشف الواقع تدريجياً، مع تقدم المعرفة البشرية. والوعي المطابق يعني ثانياً التمسك بثلاثة أبعاد مهمة هي: الكونية والحداثة والتاريخانية أو الفكر التاريخي. أو لنقل: إن الوعي المطابق هو وعي كوني أولاً وتاريخي ثانياً وحديث ثالثاً.

مع الوحدة التناقضية التي فرضتها الرأسمالية على العالم، ومع تعقد مشكلات عالمنا المعاصر, أصبح الوعي المحلي أو الأقوامي وعياً قاصراً. فلا بد من وعي القسم المتقدم من العالم لأن إنجازاته ملك للبشرية كلها، وليست وقفاً على أبنائه فقط.

والوعي المطابق هو بالضرورة وعي حديث، يتعامل مع الحداثة التي أنجزها الغرب بدون نرجسية قومية، ويرى أن البشر جميعاً يشتركون في إمكانية التقدم، وفي قدرتهم على تحسين شروط حياتهم باستمرار. وإن تبني الحداثة الأوروبية التي هي حركة تقدم نشأت بتأثير الزلزلة البرجوازية لحيّزات الجتمعات الوسطوية، الاقتصادية والثقافية والسياسية والمجتمعية، إن تبنى هذه الحداثة هو المقدمة اللازمة لكي يتجاوز الفكر العربي حالة الفوات التاريخي التي تفصله عن العالم المتقدم.

وثالث مستويات الوعي المطابق يتمثل في الوعي التاريخي. فللواقع العربي امتداد في المكان الذي هو العالم المعاصر، ومن هنا تنبع أهمية الوعي الكوني، وله امتداد في الزمان الذي هو التاريخ. في المجتمعات التي لم تحرز تقدّمات تاريخية يكاد الماضي والحاضر أن يتمازجا لديها. ومن هنا تنبع الأهمية الحاسمة للوعي التاريخي في رؤية أو تشخيص الحاضر، من جهة، وربط الممارسة السياسية بالحقيقة التاريخية، من جهة ثانية، الأمر الذي يتطلب نبذ كل رؤية أيديولوجية أو وردية للتاريخ.

والوعي المطابق ثالثاً هو سيرورة معقدة وشاقة وجهد متواصل من التنقيب والتحليل والتركيب والنقد والشك وصولاً إلى المطابقة، مطابقة الوعي مع الواقع المتغير باستمرار، لذا لا يمكن للمطابقة أن تكون تامة بل هي عملية اقتراب دائمة من الواقع. وشرط المطابقة اكتشاف مسألة التنابذ بين الأيديولوجية والواقع. بدون اندماج الأيديولوجي في الواقعي، بدون الاحتكام الدائم إلى الواقع، ومحاكمة الأيديولوجية لتصويبها وتسديدها يفلت الواقع الموَّار، المتحرك والمعقد من ساحة الرؤية، وتصبح الرؤية الأيديولوجية آنذاك شكلاً من أشكال الفصام (الشيزوفرينيا)؛ لأنها تتعامل مع واقع موضوعي غير الواقع الذي تتصوره. أو لأنها تخرج الواقع من رأسها، بتعبير ياسين الحافظ.

هكذا كان ياسين الحافظ بمنظومته المفاهيمية، في الثلث الأخير من القرن الماضي، غير مخدوع بالأوهام الأيديولوجية المسكرة، مغرداً خارج السرب اليساري الذي كان مسقوفاً بمحددات العقل "الديمقراطي الشعبي" ومخدراته. نقد ياسين الحافظ القوميين وهو قومي بامتياز، ونقد الماركسيين وهو ماركسي بامتياز، ونقد الناصرية والنظام الناصري وظل متمسكاً بالمشروع الناصري، بما هو مشروع نهضة الأمة وتقدمها ووحدتها.

لم تخدعه الأيديولوجيات اليسراوية والأعلام الحمر، ولم يخدعه الثوران السياسي، كان معياره الإنسان العربي ومشروع تقدم الأمة، لذا كانت دعوته للانتقال من الرؤية الأيديولوجية إلى الرؤية الواقعية تعني في أهم ما تعنيه نزع صفة القداسة عن الأشخاص والأفكار، وإعادة بناء الإنسان العربي.

وتعني أيضاً فيما تعنيه تمسكه بهاجس كيفية الارتقاء بهذه الكتل البشرية الهامدة التي يعطلها التأخر إلى مستوى أمة ومجتمع، وذلك بالعلمانية والديمقراطية وسيادة الشعب وبناء دولة الأمة.

أسئلته ما زالت قائمة على جدول أعمال الأمة. ولن نستطيع دخول العصر قبل أن نقدم إجابت صحيحة عنها.

 

أضف تعليق

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق