هذه الفاتنة التي خلبت الأفئدة على مدار التاريخ

نشر بتاريخ :24 09 2011 | الساعة 14:46

ddddd

بقلم : . . dddd

الحرية ! هذه الفاتنة التي خلبت الأفئدة على مدار التاريخ و الألباب على السواء، واحتلت الركن الأساسي في تحديد ماهية الإنسان حتى أنها رادفتها لدى العديدين،و جعلت بذلك عمادا لإنسانية الإنسان، و أداته لأنسنة الحياة وجعلها تتسربل بمعان تتجاوز مجرد ما هو كائن، ومحض الخضوع لحتميات الفطرة و الانصياع لناموس الطبيعة .

و مع أنها كذلك فقد بانت و نأت عن ربوع الوطن العربي من الخليج الزاخر إلى المحيط الهادر، حتى دنا اليأس من استنباتها من أن يكون هرما لا يرتفع، مما دفع البعض إلى اعتبار هذا الوطن موطنا قاحلا سدت حدوده و تلبدت سماؤه دون آفاق الحرية المشرعة، إلا أن التاريخ المفصح عن إرادة الشعوب أبى إلا أن يفند مزاعم كهذه ،خالقا المفاجأة التي تجاوزت يأس النخبة و آمالها في الآن ذاته؛ فتسارع الأحداث تجاوز أفق انتظارها و تنظيرها معا ،فكان أن ولج هواء الحرية الرئة العربية التي سرطنها الردح الطويل للاستبداد الذي ما انفك يتوالد من انقلاب عسكري إلى آخر، محجما الآمال و مجهضا الأحلام ، متمخضا عن المزيد من الخيبات و عن غير قليل من النكبات ، دون أن تحدث الثورة الشعبية مثلما هو حاصل الآن . و لأن النظر إلى الحاضر لا يستقيم إلا بالالتفات إلى الماضي و الانفتاح على الآخر ، دون الإرتهان للأول و لا الوقوع في شرك أسر الثاني ،تماما مثلما أن السياقة لا تستوي و لا تكتمل عملية إدراك فضائها إلا بما تعكسه المرايا، فإنه من اللازم،و لو في عجالة ، الالتفات إلى الشكل الذي ارتسمت به الحرية كمفهوم في فكر أبرز منظري الثورة الفرنسية لسنة 1789 ،الذي اعتبر كتابه "في العقد الاجتماعي " إنجيلا لها، فكيف تتحدد الحرية داخل فلسفة جان جاك روسو كواحد من فلاسفة الأنوار الذين غذوا التقليد الجمهوري؟

لإبراز المكانة المركزية التي يحتلها مفهوم الحرية ضمن فلسفة جان جاك روسو السياسية ، يكفي تأمل هذا المقطع الوارد في كتابه العمدة " في العقد الاجتماعي أو مبادئ الحق السياسي ":"ولد الإنسان حرا و هو في الأغلال حيثما كان .ذاك يظن نفسه سيد الآخرين و هو ما انفك أكثرهم عبودية . ترى كيف حدث هذا التغيير ؟ ذاك أمر أجهله. ما الذي يمكن أن يجعله مشروعا؟ أظن أنه بإمكاني حل هذه المشكلة "[1] ،فأول ما يستفاد من هذا القول لروسو ، هو أن الحرية معطى أول بالنسبة للإنسان فالحرية لا تبارح الماهية الإنسانية ، بل هي وثيقة الصلة بها بشكل طبيعي، ففي التمثل الافتراضي لحالة الطبيعة يصور الإنسان في وضع يتوافق مع ماهيته ، إذ ينعم بمفرده بإحساس الوجود،فـ"في هذا الوضع ، كأنما الإنسان إله "[2]،فالشخص يلتذ بذاته دونما حاجة إلى العلاقة ، و يستقل بذاته بلا قسر و يشعر بالرضا حين يحس حياته الخاصة في ذاته ، ففي حالة الطبيعة الحرية هي في المقام الأول و لا حاجة لأن تؤسس ، إذ هي ملازمة لطبيعة الإنسان ذاتها ، حتى أنه يمكننا اعتبارها صفته الجوهرية . و إن كان من الواجب إرساء الحرية من جديد فمعنى ذلك أنها فقدت ، كيف حصل ذلك ، روسو يدعونا إلى عدم انتظار جواب منه بهذا الخصوص ، لكنه بالمقابل ، يؤكد إمكانية جعل التغير الذي حدث في الإنسان مشروعا ؛ أي العمل على وضع مبادئ تقوم عليها الحرية في حالة المدنية بالشكل الذي ينمي و يطور الحرية الطبيعية ،و العقد الاجتماعي ما جاء إلا لحل هذا المشكل ؛ أي "إيجاد شكل للتجمع يحمي و يحفظ بمجموع القوة المشتركة شخص كل واحد و ممتلكاته ، و يظل بواسطته كل واحد ،و إن اتحد مع الجميع ، لا يطيع سوى نفسه ،و يبقى حرا بنفس الدرجة التي كان عليها سابقا "[3]، فالعقد الاجتماعي هو الذي يضمن للإنسان الانتقال من حالة الطبيعة إلى حالة التمدن، وهو انتقال يحدث فيه تغيرا بارزا باستبداله الغريزة في مسلكه بالعدالة ، وإضفاء الأخلاقية اللازمة على أفعاله.أي أن أعظم ما يكسبه الإنسان بالعقد الاجتماعي هو الحرية الأخلاقية و المدنية ،وكما يقول روسو" : "إن ما يفقده الإنسان بالعقد الاجتماعي هو حريته الطبيعية وحقا لا محدودا في كل ما يغريه وما يستطيع بلوغه، أما ما يكسبه فهو الحرية المدنية … التي و حدها تجعــل الإنسان سـيــد نفسه حقيقة، إذ أن نزوة الشهوة وحدها عبودية، وطاعة القانون الذي نسنه لأنفسنا حرية… " [4] و بهذا المعنى تكون الحرية هي الصفة الإنسانية ذاتها لدى روسو ، و لذلك فإن "تخلي المرء عن حريته ، إنما هو تخل عن صفته كإنسان ، و عن حقوق الإنسانية و حتى عن واجباتها . و ليس من تعويض ممكن لأي يتخلى عن كل شيء .إن مثل هذا التخلي يتنافر مع طبيعة الإنسان، فتجريد إرادته من كل حرية إنما هو تجريد لأفعاله من كل صفة أخلاقية."[5] لذلك كانت كل اتفاقية " تنص على السلطة المطلقة من طرف و على الطاعة اللامحدودة من الطرف المقابل، لهي اتفاقية متناقضة وواهية "[6] كما يقول روسو ، فأن يتخلى الإنسان عن حريته ،إنما هو ضرب من اللامعقول الذي يستحيل تصوره عقليا ،لأن" الزعم الذي يفترض القول بأن إنسانا ما يهب نفسه مجانا هو ضرب من اللامعقول و يستحيل تصوره .فمثل هذا الفعل لا شرعي و لاغ لمجرد أن الذي يقوم به يفتقد الحس السليم .و إذا قيل نفس الشيء عن شعب برمته، فالأمر يفترض شعبا من المجانين. و ما كان الجنون يوما أساسا للحق "[7]. كل ما سبق يبرز مدى الأولوية التي تحتلها الحرية في فكر جان جاك روسو ، حتى أن التعاقد السياسي يبقى في جوهره إفصاحا عن الحرية و قانونا لها ،و هنا الوجه الحداثي اللامع لروسو ،فبخضوع الرعايا لمقتضيات العقد ،هم في الواقع "لا يخضعون لأحد ،و إنما يخضعون فقط لمحض إرادتهم .

فالتساؤل عن مدى امتداد حقوق السيادة و حقوق المواطنين على التوالي ،إنما يعني التساؤل عن مدى ما يمكن للمواطنين أن يلتزموا به إزاء أنفسهم ، كل واحد إزاء الجميع و الجميع إزاء كل واحد "[8] و لذلك كانت الإرادة العامة التي تنجم عن مقتضيات العقد الاجتماعي و الموجهة للسلطة التي تسمى سيادة ، إرادة ثابتة لمجموع أفراد الدولة فعبرها يصبحون أحرارا ، و هم يعبرون عن هذه الحرية من خلال القوانين ، لذلك جعل روسو السلطة التشريعية في يد الشعب دون غيره ، و كل قانون لا يقره الشعب هو قانون لاغ . و لهذا السبب كان التشريع هو الذي ينتج الحركية الديمقراطية في فكر روسو، وهي الحركية التي تحدد مفهوم المواطن لديه ؛ فهذا الأخير لا يمتلك سلطة انتخابية ، وإنما سلطة تشريعية . فنفس الفرد بالنسبة له هو في نفس الوقت ، و بشكل غير متمايز ، واحد من الرعايا و مشرع و ذاك هو الملمح المميز لديمقراطية الهيئة السياسية ، حيث مصطلح المواطن يجمع بين مفهوم الطاعة و السلطة التشريعية ؛" لأن جوهر الهيئة السياسية هو في التوافق بين الطاعة و الحرية ، و أن كلمتي رعية و سيادة ، إنما هما كلمتان متلازمتان لهما نفس المعنى و يتلخص في لفظة المواطن "[9] و من هذا التأكيد يستخلص روسو التعريف الآتي للديمقراطية:"بداخل الديمقراطية الرعايا و السيد ما هم إلا نفس الأشخاص معتبرين تحت علاقات مختلفة "[10] ، فالديمقراطية هي هذه الهيئة ، حيث يعرف المواطنون ، في ذات الوقت و بشكل غير متمايز كرعايا و مشرعين ،و بذلك سيغدو في مقدورنا فهم العلة التي لأجلها تضمن القانون لدى روسو تحديدا للمواطن و للديمقراطية ، و الحال أن القانون يحتوي من جانب أول علاقة بين الإلزام و الطاعة ، كما يحتوي من جانب ثان على الإحالة إلى مشرع ، و الديمقراطية هي النظام الوحيد الذي يحقق هذا التأليف و التركيب فيما بين الطاعة و الحرية ، و المواطن هو الجمع الفعلي فيما بين هاذين المفهومين ، ذلك أن المواطن لا يختزل في مجرد الطاعة بالنسبة لروسو لأن "اللاشيء لا ينتج شيئا "[11]، و من ثم فالمواطن لا يكون كائنا سياسيا سوى لأنه يسهم في إنتاج القانون ، كما أن مصطلح المواطن لدى روسو ينطوي على الصفتين معا : التشريع و الطاعة ،ليكون المواطن بذلك ليس هو من له حقوق و عليه واجبات فحسب ، بل هو من يمتلك القدرة على سن القانون ، و من هنا ينبع العمق الدلالي للحرية التي تفيد الخضوع للقانون الذي " أنتجه الشعب ووافق عليه "[12] ، لذلك كان الأهم بالنسبة لفيلسوف جنيف هو إيضاح العلاقة فيما بين القانون و الحرية ، فبداخل الديمقراطية الحقيقية ،يمتلك المواطنون قرارا بشأن القانون ، لأن العلاقة بين القانون و الحرية ، و قد تحققت من خلال المشاركة المتساوية للمواطنين في السلطة التشريعية ، تجعل الشعب هو واضع القانون ، و كما يقول روسو "السلطة التشريعية تعود إلى الشعب و لا يمكن أن تعود إلا إليه "[13]،و غاية كل نظام تشريعي هي "الحرية و المساواة،أما الحرية فلأن كل تبعية خاصة تعني تجريد الدولة من قوة بنفس المقدار ، و أما المساواة فلأن الحرية لا تدوم بدونها . "[14] و لالتقاط بعد الحرية في فكر روسو ، نشير إلى أنه يميز بين زمنين في السياسي ؛ يرتبط الأول بالقرار ، أما الثاني فيتعلق بالنقد ، فالمواطن لا تعود له فقط القدرة على التشريع و لكن كذلك القدرة على ممارسة النقد ، نقد ما يعتبره شروطا مولدة لما سيحد من حريته ، و بالتالي فالمواطن من المنظور الروسوي يتدخل في مدينته و يجعل من تدخله هذا واحد من شروط حريته السياسية.

المصدر : . . dddd

أضف تعليق

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق