نص الكلمة التي ألقاها الأستاذ حيدر في حفل تكريمه ضمن فعاليات مهرجان عمريت الثاني للثقافة والفنون:
بإمكان التنوير أن يخرج من دائرة الفرد إلى دائرة الجماعة
نص الكلمة التي ألقاها الأستاذ حيدر في حفل تكريمه ضمن فعاليات مهرجان عمريت الثاني للثقافة والفنون:
أيها الأصدقاء الأعزاء!
بداية أتقدم بالشكر العميق لمديرية الثقافة واتحاد الكتاب العرب في طرطوس لهذا التكريم الذي فاجأني،وأكاد أقول أربكني أنا البعيد عن أجواء ومناخات الاحتفالات والمهرجانات والأضواء.
إن هذا التكريم هو للثقافة العربية والأدب العربي، بما هما منارتان للتنوير وإضاءة العقل والروح.
لا جدال في أن الكثيرين منا تساءلوا وما زالوا عن أهمية وجدوى الثقافة والأدب في الحياة، وهل للثقافة والأدب سلطة أو قوة قادرة على التأثير في المجرى الاجتماعي والتغيير البشري؟
أم أن الثقافة حالة ترفيهية وهامشية في سياق المجتمع، وأن السياسة والاقتصاد هما العصب الجوهري في التغيير الإنساني؟
فيما مضى، عبر انخراطي في مجرى الثقافة والأدب، وقبل هبوب عاصفة الغضب والكراهية على روايتي (وليمة لأعشاب البحر)، كانت اقتناعاتي شبه الأكيدة أن الثقافة والأدب تحديداً معنيان بالمسألة التنويرية لا غير.
ما كانت مسألة التنوير هامشية في جوهرها الفكري والعقلاني والروحي، لكنها كحالة محدودة التأثير تبدو واحة خصبة وخضراء، يأوي إلى ظلال شجرها ملأ من المثقفين وأهل الاختصاص عبر أسفارهم في صحارى الحياة والعالم.
كنا نعتقد، نحن قبيلة الأدب والفن، أن الهدف الجوهري للفن أو الأدب رواية وشعراً ومسرحاً وقصة، هو الارتقاء بالروح الإنسانية، وتنقية هذه الروح من وشل الأزمنة الملوثة وتراكمات التشويه الاجتماعي والنفسي والتاريخي. وفي الآن نفسه كشح غبار الزيف والكذب والرياء، وفضح العنف والاستبداد وتوحش الطغاة نزوعاً نحو فمضاءات الحرية الإنسانية: الحرية الداخلية للفرد والحرية الخارجية للمجتمع.
ولأن المجتمعات العربية، منذ عصور الخلافة بعد الإسلام الثوري الأول كانت تتأسس وتشيَّد على الطغيان الفردي وتهميش الإنسان الفرد، ومصادرة الحرية، واصل الحاكم المستبد ميراثه الماضي والحاضر في ممارسة العسف وتدمير ما هو نقي وجوهري وخلاق في أعماق الفرد والمجتمع.
كانت الحرية بمفهومها الفردي والجماعي تعطى هبةً أو منحة من الحاكم الفرد شبه المؤلّه على الأرض، بحيث تشكلت المجتمعات العربية من رعايا لا مواطنين يحميهم القانون ولهم الحق في الحرية والحياة. لهم حق الطاعة والخضوع لا غير.
في وصيته لابنه المهدي يقول الخليفة أبو جعفر المنصور، نقلاً عن الطبري:
(أوصيك بالسلطان يا بني فهو حبل الله المتين وعروته الوثقى ودين الله القيم، فاحفظه وحصّنه وذبّ عنه وأوقع بالملحدين فيه (الملحدين بالسلطان لا بالله) واقمع المارقين منه، واقتل الخارجين عليه بالعقاب والتمثيل والتنكيل. يا بني إنني جمعت لك من أموال لم يجمعه خليفة قبلي وجمعت لك من الموالي ما لم يجمعه خليفة قبلي، وبنيت لك مدينة لم يكن في الإسلام مثلها.
(أوصيك بالمال والملك في الغداة والعشية فلازمهما فلا تفترقان).
إن نمط هذه المجتمعات الاستبدادية، ما قبل القروسطية، تواصلت مع الأسف كدورة في الزمن التاريخي حتى يومنا هذا.
كيف يمكن إذن تشييد مجتمع مواطنين أحرار في ظل هذه الدورة التاريخية المعادية في جوهرها للإنسان والحرية؟ وكيف يمكن بناء حضارة جديدة تتناسل من رحم حضارة قديمة، الروح فيها ما تزال روح الخلافة، مختزلة في قانون الثواب والعقاب والتنكيل بمن يعارض الخليفة، هذا الواحد الأحد مصدر السلطات كلها على الأرض؟
حين ساءل الأدب والفن والثقافة هذه الأطروحات التي تنزع نحو الاستمرارية والديمومة اللاعقلية، وقع في المآزق والمضائق واقترب من منطقة الحرائق. كانت المؤسسة الاجتماعية الدينية، عبر التاريخ أيضاً متواطئة بنسبة كبرى مع المؤسسات السياسية وسلطة الحاكم.
والمؤسستان كانتا مدرعتين بالأيديولوجيا الدينية الزائفة، وليس بمفهومها الجوهري ونبضها الأخلاقي والروحي والثقافي. فعبر التاريخ ومنذ الخلاف الأول بعد الفتنة في الإسلام، انقسم المسلمون والعرب وتفرقوا شيعاً وفرقاً وأحزاباً، وعبر هذا الشقاق والحروب الأهلية ذات المرمى السياسي انفرد كل حزب أو فرقة أو شيعة أو جماعة بإسلامها الخاص بها، وبدأ التأويل أو التحريف أو التفسير أو الفقه بما يلائم هؤلاء الفرقاء المتنازعين حتى وصل حدود التكفير والإزاحة من دائرة الدين، والحرب في وقائع تاريخية معروفة ما تزال متواصلة.
إن تمزيق شمل المسلمين والعرب منذ القرن الأول الهجري حتى يومنا هذا، لا يرمى على عاتق العدو الخارجي الذي غزا بلاد العرب والمسلمين وحده، إنما أساس هذا التمزيق والتفتت يكمن في بنية الخلية الداخلية المتآكلة والمنخورة: الصراع على السلطة سياسياً، والتواطؤ الثقافي ـ الديني المؤول لصالح هذه السلطة المستبدة التي طغت وتجبرت على الناس بفتاوى أولئك الفقهاء الذين أجازوا للحاكم التمادي في الباطل والظلم والعسف من خلال نصوص مجتزأة ومبتسرة وباطلة في تأويلها.
وهكذا حين ساءلت الثقافة قديمُها وحديثها، والأدب باتجاهاته الجديدة أو القديمة، هذه الظاهرة المرضية والتلفيقية، داخل فضاء نقدي، وقعت في المحظور والممنوع، واشتُط في الفتوى حتى حدود التكفير، وإخراج المثقف الحر غير الموالي سياسياً لا من دائرة الدين وحسب، بل والتشهير به لنبذه خارج فضاء المجتمع كونه خارجياً ومواطناً ليس من الرعية التابعة.
حين جهر غيلان الدمشقي، وهو أحد فلاسفة المعتزلة الأوائل، بفكرة الحرية والاختيار معارضاً فكرة القضاء والقدر، ثم هاجم ظلم الأمويين وثراءهم على حساب الشعب حقدوا عليه. وإذ ولاّه الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز شؤون بيت المسلمين، نادى فقراء الناس: تعالوا إلى متاع الخونة! إلى متاع الظلمة! وبدأ يوزع خزائن الأمويين على فقراء الناس. وفي خلافة هشام بن عبد الملك قطعت يدا غيلان ورجلاه بأمر من الخليفة، لكن غيلان استمر يهاجم ظلم الأمويين وثراءهم قائلاً فيهم: (قاتلهم الله. كم من حق أماتوه، وكم من ذليل في دين الله أعزوه، وكم من عزيز في دين الله أذلوه). وصل كلامه إلى الخليفة فأرسل إليه من قطع لسانه فمات فكان أول شهيد معتزل.
كان غيلان واحداً من شهداء قافلة الحقيقة التي تجرح الطغاة، وتدفع دمها وجسدها فدية للعدالة والحرية.
الحكاية ذاتها ستتواصل وتستمر من العصور القديمة إلى العصور الحديثة، والقضية في جوهرها أن طريق الثقافة والأدب والفن على افتراق مع طريق السلطة، سواء أكانت سلطة سياسية أم سلطة دينية متزمتة ومغلقة.
إن دروب الحرية مفتوحة الآفاق وتؤدي إلى معنى الوجود الإنساني، وهذه الدروب وحدها السبل الثقافية وسبل الأدب والفن كأرقى تجلٍ حضاري للبشر، أما دروب حرية السلطة فمحدودة الآفاق قاصرة الرؤى لا تؤدي إلا إلى التملك والتحكم والسيطرة وقهر البشر ومسخهم إلى عبيد أو غوغاء أو سائمة.
لا السلطان ولا الإمام أو الفقيه يقبلان الاعتراض أو النقد أو حتى الاجتهاد من الآخر غير المنضوي أو الخارجي أو المثقف الحر والمستقل. وفي مواجهة سؤال هذا الآخر ورداً عليه ثمة إجابة واحدة: السيف المشرع بيد السلطان الحاكم أو سيف جهنم والتكفير المشرع بيد الإمام أو الفقيه.
درسان تعلمتهما على نحو لا يقبل النسيان من هبوب عاصفة الغضب والكراهية على (الوليمة)، الأول: أن للثقافة والأدب أهمية كبرى وفعالية تتخطى عتبة التنوير العقلي والجمالي في أعماق الفرد ـ الإنسان.
إن بإمكان التنوير الثقافي وهو يجهر بالحقيقة ويعرّي الرياء والكذب ويفضح الإرهاب السياسي، والإرهاب الاجتماعي والديني المزيف والزميت، بإمكان هذا التنوير الخروج من دائرة الفرد إلى دائرة الجماعة لإضاءة الشارع، وإيقاظ الناس من سباتهم ورقادهم ليصرخوا في وجوه الطغاة الذين استبدوا بهم وكمّموهم ورموا بهم في أودية الظلمات.
أما الدرس الثاني الذي تعلمته مع الآخرين فهو أهمية التضامن والتآزر في لحظة المحنة. تضامن المثقفين التنويريين، مشاعل العصور الحديثة، ورواد حضارة العرب المستقبلية، ودعاة بناء المجتمع العربي المدني. مجتمع العقل والحرية والعلم والجدال المفتوح على العصور الحديثة.
شكراً لحضوركم جميعاً وامتناني العميق للأصدقاء الأدباء الذين تحدثوا عني وعن أدبي بهذه الروح النبيلة والمفعمة بالمحبة والنقاء.









أضف تعليق