انتحاريون في خدمة أعدائهم

نشر بتاريخ :6 10 2011 | الساعة 11:41

بقلم : . . محمد الرميحي

هل انتحار الأفراد مرض يمكن علاجه؟ أم هو ظاهرة قد يطول بقاؤها؟ وهل الانتحار للانتصار موقُوف حصرا على الأفراد؟ أم انه أيضا يصيب الجماعات والدول؟ تلك أسئلة تطوف بخاطر كل فرد منا يبحث لها عن جواب، بعد تفشي ظاهرة الانتحار أو القتل لسبب سياسي في منطقتنا.
طبعا الانتحار ظاهرة إنسانية وغير إنسانية (بعض الحيوانات تنتحر). وقد دُرست هذه الظاهرة مطولا. عالم الاجتماع الفرنسي اميل دوركايم في القرن التاسع عشر درس هذه الظاهرة، وفي ظني أنه لا يوجد طالب عربي درس علم الاجتماع الحديث إلا ويعرف ظاهرة الانتحار لدى دوركهايم. وقتها كانت الدراسة حول الانتحار الاجتماعي والمنتحر الاجتماعي له مواصفات، كأن يكون في منتصف العمر، راكم من الخبرات السيئة في حياته ما يدفعه الى قتل نفسه. وجل تلك الأسباب، أن استبعدنا الأسباب النفسية، تنتمي إلى حالة العوز الاقتصادي الذي يجعل لدى الشخص اقتناع بمفارقة الدنيا دون الكثير من الأسف. لقد كان دوركهايم يصف المشكلات المصاحبة لانتقال المجتمع الغربي من الزراعة إلى الصناعة.
ظاهرة الانتحار السياسي مختلفة وهي تستقطب الشباب. وهي في الأساس ظاهرة فكرية، تبدأ بتكوين اقتناعات لدى الشخص أو المجموعة بأن فعل قتل النفس يحقق انتصارا للمجتمع. إن أكبر ظاهرة انتحار حديثة برزت في أواخر أيام الإمبراطورية اليابانية، في الحرب العالمية الثانية. لقد قتل آلاف من الطيارين الشباب (الكاميكازي) أنفسهم بسبب قناعات أن عملهم ذاك سوف يقود اليابان إلى النصر المبين.
ويعرف العالم إلى ماذا قاد ذلك العمل الذي راح ضحيته آلاف الأرواح من الجنود الأميركيين، ولكن اليابانيين دفعوا ثمنا باهظا بعد ذلك، وفي الوقت نفسه فقدت اليابان حريتها لفترة طويلة من الزمن.
جماعات التاميل في سيريلانكا مثال آخر من أمثلة قتل النفس لأجل الانتصار على الآخر. فقد قتل التاميل من أعدائهم، بسبب استخدامهم للإنسان المفخخ، المئات من الناس. ولكن في نهاية الأمر لم تنتصر أفكارهم أو دعوتهم. اليابان بسبب إقدام طياريها على الانتحار بسقوطهم مع طائراتهم من الجو على البوارج والمنشآت الاميركية، لفتت إلى أن "فكرة قتل النفس" فكرة ثقافية متأصلة في التربية اليابانية، فلم يكن من المفيد هزيمة اليابان عسكريا، كالهزائم المتعارف عليها في التاريخ العسكري، بل كان الأهم هو اقتلاع النظام نفسه بقضّه وقضيضه كما يقال، من اجل إعادة تثقيف واسعة وتشكيل اقتناعات جديدة. وهذا أيضا ما حصل بشكل آخر في ألمانيا بعد النازية التي سوف نناقش ظاهرتها بعد قليل.
ظاهرة قتل النفس الفردية بدأت في فضائنا العربي على استحياء. ويعود مؤرخو الحقبة التاريخية الحالية إلى بداية الثمانينات، وهي التي شهدت تفجير مقر القوات الأميركية في بيروت، وسرعان ما التقطت الفكرة بعض قوى المقاومة الفلسطينية،خاصة بعد الانتفاضة الثانية. إلا أن من ضخم العمل الانتحاري الفردي عالميا، هو أحداث الحادي عشر من ايلول 2001 في الولايات المتحدة، والتي خططت لها قيادات "القاعدة"، ثم تلا ذلك ما حدث في السابع من شهر تموز في لندن، تخلل كل ذلك ما حدث ولا يزال في العراق، الذي يكاد العمل الانتحاري فيه يشكل بذور حرب أهلية طائفية قبيحة، يقتل فيها العراقيون عراقيين.
إن أخذنا على سبيل المثال الافعال المعلنة لـ"القاعدة" التي تقدم تبريرا لأفعالها الانتحارية، فان هذا التبرير لا يخرج عن مجموعة من القضايا، من مثل تدخل الغرب في شؤون البلاد العربية، ووجود القوات الأجنبية على الأرض العربية، والوضع المزري للأخوة الفلسطينيين في حالهم المتردية المعروفة. تلك جملة الخطاب "القاعدي" المنتشر بدرجات مختلفة لدى كثيرين. وإذا حكمنا على نتائج العمليات الانتحارية بما حققته من أهداف، نجد أن معظم، إن لم يكن كل الأهداف المعلنة، قد حققت نتائج عكسية. فقد زاد التواجد العسكري الغربي في منطقتنا على اتساعها بعد الحادي عشر من أيلول، والعراق وأفغانستان وغيرهما شاهد ودليل جزئي على ذلك. كما زاد التدخل الغربي في شؤوننا من الخليج إلى المحيط، بدليل قرارات مجلس الأمن المختلفة. وازدادت القضية الفلسطينية التباسا، حتى عاد من السهل خلط "الإرهاب" بـ "المقاومة" في ذهن ملايين البشر على امتداد هذا العالم الواسع، وحققت إسرائيل مكاسب "عالمية" من وراء ذلك، لم يكن لتحلم بها في الظروف العادية.
أما "الحرب على الإرهاب" التي ساعدت أعمال الانتحاريين على حشد العالم من اجل الأنصار فيها، فقد ضيّقت الحريات على الكثير من الشعوب، وفي طليعتها الشعوب العربية، ودفعت هذه الشعوب حتى تاريخه، أثمانا باهظة من حريتها ومن خبزها ومن فرصها للتعليم والترقي، تسديدا لفاتورة اعتقد بعض الانتحاريين أنهم يحققون النصر بها، في الوقت الذي زفوا الى هذه الشعوب الهزيمة الحضارية المنكرة.
بعض الحكومات العربية أو الأنظمة لها شبه علاقة بالحالة النفسية للانتحاريين أنفسهم. فمثل هذه الأنظمة ترى أنها على حق مطلق وان الآخرين على فساد مطلق. ويستولي الزعيم على الذوات الاجتماعية الشعبية حتى تتعثر عملية نضجها، ويزيف بعض المتزلفين لهذا الزعيم قربه من "التقديس"، إلى درجة جر مجتمع بكامله إلى الانتحار من طريق الحرب، باردة كانت أو ساخنة. قرأ سيغموند فرويد في القرن العشرين هذه الظاهرة في اتجاه تفسير النازية في ألمانيا، التي تعتبر الزعيم نفسه، الوصي على الشعب، وتبلغ الذروة عندما يتعطل العقل إلى درجة تتجاوز الواقع، ويذوب المواطن في الزعيم، طوعا أو كرها.
في هذه الدول (الحق المطلق للزعيم) يؤهله أن يندفع في سياسات خارج سياق الزمن، وخارج سياق التاريخ. الحقيقة المطلقة لما يقوله الزعيم تتشبث بها بعض الحكومات العربية اليوم وبعض القوى الشعبية، على أمل تقديم خير ما لشعوبها. وهي في الحقيقة تنحو نحو الحالة النفسية للانتحاريين، حيث الدخول في صراع غير محسوب العواقب، وحيث لا تصبح المغامرة بحياة أفراد، ولكن بحياة شعوب كاملة.
المثل الشاخص في الذهن هو مثال نظام صدام حسين الذي قامر انتحاريا بشعب كامل، على أمل كاذب بتحقيق انتصار مُتخيل، ولكنه في النهاية هدم المعبد على كل حاضريه، هدما لا بناء بعده. أن بعضا من الأنظمة العربية اليوم سائرة ويا للأسف على ذاك الطريق. فلم يعد اليوم من الأسرار الغامضة، أن المجتمع الدولي في نهاية الأمر مرتبط بإرادة المجتمع الغربي، و الأخير مرتبط بنوع ما بإرادة المؤسسة الحاكمة في الولايات المتحدة. هذا الارتباط يشكل آلية عدم فهمها والتعامل معها إلى انتحار جماعي، طويل أو قصير المدى.
حقيقة الأمر انه في الوقت الذي تتطور فيه المجتمعات بنجاح للسيطرة أكثر فأكثر على غريزة العنف، في فضائنا العربي يتصاعد تغليب غريزة العنف على كل ما عداه، إلى درجة لم تعد تميز بين القتل والانتحار. ذلك الأمر خلقته اقتناعات فكرية تزامنت مع واقع معيشي على الأرض. أما الواقع فهو فشلنا جميعا في استحداث آليات للحوار الاجتماعي الخلاق، لفض المشاكل العالقة التي تعاني منها شعوبنا منها البطالة وتدني المستوى التعليمي وضيق الحريات من بين الكثير مما نعرف. أما الاقتناعات فما زالت تحض عليها وسائل الإعلام الرسمية والشعبية وترسخها، تحت شعارات ملتبسة لا يريد متخذ القرار أو لا يعرف خطورتها، حتى وصلنا إلى مكان هو باختصار الانتحار لخدمة الأعداء... يا لها من مهزلة.

 

أضف تعليق

  • تتحول مسارات مواقع وب و عناوين البريد الإلكتروني إلى روابط آليا.
  • وسوم إتش.تي.إم.إل المسموح بها: <a> <em> <strong> <cite> <code> <ul> <ol> <li> <dl> <dt> <dd>
  • تفصل السطور و الفقرات تلقائيا.

معلومات أكثر عن خيارات التنسيق