المثقف العربي والعولمة
المثقف العربي والعولمة
د. سمير بسباس
I- تقديم
العولمة كظاهرة معاصرة لا تمثل البتة قطيعة مع مسيرة البشرية التي عرفتها منذ الأنوار. فالحداثة التي أعلنت نهاية سلطة الكنيسة وحررت الإنسان من قيودها وأعادت اكتشاف الديمقراطية اليونانية ومهدت لبروز العلمالحديث وفتحت للإنسان آفاقا جديدة للفكر والعمل لم تكن ذلك فقط، فظهور الدولة الأمةارتبط منذ البداية بالمستعمرات وهيمنة التجارة ورفض الخصوصيات المحلية والجهويةواللغوية... لقد أكدت على الوحدة والتوحيد من خلال فرضها لقيم كونية تكفلت بترويجها"الأمم المتحضرة". قدمت الليبرالية نفسها على أنها المثال الوحيد الذي يجب أن يقتدىبه ويعم المعمورة. التحكم العقلاني للإنسان في الكون وتسخيره واعتبار الاقتصاد محورالحياة ومراكمة الإنتاج سبيل الرفاهة كلها دلالات أرادت المجتمعات الرأسمالية أنتعممها على الكون. تلك كانت ولازالت الأسس التي بنيت على قادتها الليبرالية التيمجدت الفرد والفردانية.
لقد امتلكت الإنسان فكرة السيطرة على الكون وعلى التاريخوتوجيهه الوجهة التي تؤول إلى "التقدم". بذرة العولمة كامنة في المجتمع الليبراليمنذ الانطلاق وما الحروب الاستعمارية وظهور الفاشية والصراعات من أجل السيطرة علىالعالم "وتوحيده" سوى التعبير الذي جسد هذه الحقيقة. بعد الحرب العالمية الثانيةجاءت سياسات التنمية المختلفة بغاية إلحاق البلدان المستقلة حديثا بالدورةالاقتصادية العالمية وتوجيه اقتصادياتها نحو التصدير. ثم مع انهيار الاتحادالسوفيتي وبروز تقنيات الاتصال الحديثة بدأت تكرس هيمنة قوة واحدة تدعمها مؤسساتعالمية كالمنظمة العالمية للتجارة والبنك الدولي وتستند على الشركات العابرةللقارات والتي تتداخل فيها الرساميل من كل بلدان العالم.
العولمة هي إعلان"انتصار" العقل الواحد والمسيرة الواحدة والفكر الواحد واللغة الواحدة والاقتصادالواحد والثقافة الواحدة والعادات الغذائية الواحدة. هي كما يقول”Serge Latouche” أمركة العالم. العلامة البارزة للعولمة هي التطابق المعمم"Le conformisme généralisé" والتعبير للمفكر الفرنسيCarnelius Castoriadis.
إنّهعصر تقهقر الفكر وتحوّله إلى مجرّد تأويل للنصوص و"نهاية الفلسفة" والتاريخ وانتصار العقلنة كنقيض للعقلانية والمعقولية واستقلال العلوم والتكنولوجيا عن المجتمعوهيمنة الخبراء. هي أيضا وبالأخصّ عصر خوصصة الكائنات الحية وتحويلها براءات. فلقدامتدت يد الليبرالية "الخفية" إلى آخر معقل في الكون ألا هو الكائن الحيّ. هو إذنعصر "تشيّء" كل ما يدبّ على الأرض بما في ذلك الإنسان الذي أصبحت جيناته تسجلبراءات على ملك أفراد أو جماعات.
II- المثقف العربي والعولمة:
كيف تفاعلالمثقف العربي مع هذه الظاهرة وإلى أيّ حدّ ساهم ذلك في فتح آفاق جديدة للتجاوز والتغيير؟
المجال لا يسع للتعرض لمختلف المفكرين العرب وسنكتفي ببعض الأمثلةالمعبرة.
في اعتقادي أنّ أغلب المثقفين العرب لا زالوا يراوحون بين ردّ الفعلوالتقليد والانصياع من ناحية والتشبث بما سمّوه الثوابت من ناحية أخرى بل إننا نجدفي غالبية الحالات هذه المواقف مجتمعة لدى المثقف الواحد. فمعظم البحوث محكومةبثنائية الأصالة والتشبث بالهويّة أو الدعوة إلى الانصهار واللّحاق. أما الخاصيةالثانية لهذه المقاربات فهي سعيها إلى تثبيت المنطلقات والمرجعيات والتدليل علىصحّتها، فهي تنطلق من دراسة الواقع العربي والعالمي لتعود وتركّز على صحّةالمنطلقات. ولهذا فإنّ اتجاهها ارتداديّا.
البارز للعيان والمؤسف في آن واحد أنّمساهمة المثقف العربي في الكشف عن حقيقة العولمة ومواجهتها تظلّ محدودة مقارنةبالشعوب الأخرى وهذا راجع إلى الأوضاع الداخلية للبلدان العربية من ناحية ولكن،وبالخصّ إلى العوائق الفكرية الداخلية لهذا الفكر بالذات.
III-الموقف الداعيللانصهار في العولمة:
يمكن تصنيف هذا الموقف إلى فرعين:
- موقف يدعو إلىالمواكبة والانصهار الكامل ويجسده بالأخصّ علي حرب وهشام جعيّط.
- موقف يدعو إلىالاندماج في العولمة باستعمال رصيدنا الثقافي كرأس مال نستثمره في سوق العولمة منخلال وسائل الاتصال الحديثة وذلك لتقديم صورة للحضارة العربية الإسلامية غير تلك التي روّج لها بعض المستشرقين.
1- علي حرب رائد العولمة في البلدانالعربية:
منذ سنوات وعلي حرب يتصدى للمثقفين العرب ودعاة الهوية والتراث الذين "يسقطون مقولاتهم المسبّقة وأحكامهم الجاهزة وشعاراتهم المستحيلة على الواقع بدلامن إعادة بنائه عن طريق درسه وتفكيكه". لابد إذن من التخلّص من أوهام التراث وولوجالميادين الجديدة. لكن كيف السبيل إلى ذلك؟ هو يدعونا إلى "إخراج الثعبان من تحتالقميص وإلى تغيير جلدنا". وهو يرمز بالثعبان إلى التراث. لكن الثعبان سيبقىثعبانا ولو تغيّرت ملامحه فـ "تفكيك بُنَى الثقافة العربية وأصولها التي يهدف إلىإعادة تركيبها وتحديثها" يجعل منّا مجرّد ميكانيكيين حرفيين لا تتعدّى حدود معارفناالتفكيك والتركيب.
علي حرب يناقض نفسه عندما يدعو إلى "تأسيس مرجعية حديثة لايكون فيها الإسلام مجرّد مذهب فقهي بل رأسمالا رمزيا ينبغي صرفه واستثماره (معالإفادة) من منجزات الحداثة الغربية بأقلمتها مع اللغة العربية". فعلي حرب يرى أنّ "لكلّ أمر وجه آخر" ويطالب المثقفين بالتخلّي عن مغالاتهم في رفض العولمة وتوابعها،فهو يرى أنّ الحضارة العربية الإسلامية قد بنيت من خلال "فتح العالم والاستيلاء علىمعظم دوله وممالكه.. ففرضنا لغتنا وأدبنا وشريعتنا على الذين صدّقوا دعوتناواستجابوا لرسالتنا أو على الذين خضعوا لسيطرتنا بعدما غُلِبوا على أمرهم... كانذلك زمن المعجزة والفيض، أعني زمن القوّة والتقدّم، زمن الإبداع والازدهار، زمنعمران الأرض والانتشار في جهات العالم الأربع... فكان تعريب العالم في البدايةابتداعا وابتكارا... سبيل انفتاح وتحرر ومظهر حضور وتألق (أما اليوم) فقد انقلبالسحر على الساحر... مادام لكل أمر وجه آخر... فالزمان أيام تُتَداول بين الناسيُعِزُّ أناسا ويُذِلّ آخرين".
إذن التوسّع رديف للتألّق والتحرّر والدهرتداول على الهيمنة، يوم إليك ويوم عليك والنبيه الفطن من فهم الدرس واتّعض وتقبّلوانصاع. الحقّ للقويّ والمتسلّط والمتجبّر. "كلّ ما هو واقعيّ عقلانيّ" (مقولةلهيجل) وعاش من فهم قدره وتلك سنة الحياة وذاك قانون التاريخ الذي لا يُرَدّ. هنايختلط الخطاب الثقافوي، الحضاروي، الشوفيني مع آخر يدعو للخنوع والقبولبالمآل.
هو يدعو المثقفين إلى "الفهم والتشخيص من أجل التعقّل والتدبير بحيث لانردّ على الحدث بنفيه ولا بالمصادقة عليه بل بفهمه والمساهمة في صوغه وتحويله إلىفكرة خصبة أو إلى حقل معرفيّ أو إلى مجال تواصليّ أو إلى سوق تبادليّ". لكن كيفنساهم في صوغ عولمة وقد وضعت الشركات العابرة للقارات أسسها منذ سنوات خلت؟ بأيّقوّة سحريّة نحوّل العولمة إلى "مجال تواصليّ" والحال أن من أوكد مبادئها سرّيةالمعلومات واحتكارها؟
يمضي علي حرب في مطالبة العرب بـ "تغيير جلدهم"، فها هويسخر من الذين رفضوا الحرب على العراق من "أصحاب الغيرة الكاذبة على العراق من شرطةالهويّة والعقيدة... وشبيحة العروبة والإسلام وديناصورات الفكر القوميالاشتراكي... فهذه الحرب تفتح فرصة أمام العراقي كي يتحمّل المسؤولية ويشارك بصنعبلده إلى جانب الولايات المتحدة الأمريكية"!! هاهي العولمة حلّت بيننا وفي ربوعناوهي فرصة لتحويل العراق إلى هون كونغ عربية أو شرق أوسطية! لكن ما بال البعض يرفضهذه الفرصة التاريخية؟ أو ليس من شيم العرب الكرم وحسن الضيافة؟
لكن بالمقابلنجد لدى علي حرب خطابا آخر عندما يتعلّق الأمر بالحقوق السياسية. يقول: "إنّ الدعوةإلى الديمقراطية في بلداننا هي من قبيل السذاجة لأنه لا يمكن تبنّي مفهوم غريب عن الحضارة العربية الإسلامية التي كان لها نمطها وآلياتها الخاصّة في ممارسة السلطةوالحرّية".
يا للتفكيك والتركيب! هو يتمنّى أن "يقوم علماء وفقهاء ذوو جرأةيعلنون على الملإ إلغاء قاعدة الارتداد فيكون ذلك أوّل إعلان حديث حول حقوق الإنسانفي الإسلام". العولمة كما عبّر عنها في كتابه حديث النهايات (والعنوان يذكرنابمقولات فوكوياما حول نهاية التاريخ) هي "قدرنا" فهي تمثل "فتحا كونيا" ولا تجدونانفعا "أوهام وأكاذيب شرطة الإيديولوجيات وكهانها". يذهب علي حرب إلى أنه لم يعدهناك من جدوى للمثقف في زمن العولمة، هذا المثقف الذي ظلّ ينهل سنوات من الإيديولوجيات المتكلّسة والبالية.
نحن نوافق علي حرب في نقده لدعاة الهويّةالقاتلة (التعبير لأمين معلوف) وأصحاب المشاريع الشاملة والجاهزة، لكن ذلك لا يعنيأن نجيز إلقاء الرضيع وماء الرضيع. فإذا كان لابد للمثقف أن يصمت زمن العولمة فهذاالاستنتاج يُسحب على كل المثقفين بمن فيهم علي حرب ولا أخال مفكرنا مستعدّالذلك.
2- صادق جلال العظم والنخبة العولمية الثقافية:
صاحب كتاب "نقد الفكرالديني" يرى في العولمة "نقلة نوعية جديدة تأخذ الآن الشكل المزدوج لعولمة دائرةالإنتاج ذاتها ونثرها في كل مكان مناسب تقريبا على سطح الكرة الأرضية من ناحية وإعادة صياغة مجتمعات الأطراف مجددا في عمقها الإنتاج... على الصورة الملائمةلعملية التراكم المستحدثة في المركز ذاته".
يرى صادق جلال العظم أنّ "معظم منكتب عن العولمة جاؤوا بأفكار مسبقة، بعضهم كان مع العولمة وبعضهم كان ضد العولمة... برأيي أنه من المبكر الحكم عليها فهي ظاهرة مازالت في طور البحث والمناقشة،والسؤال عن العولمة ليس سؤالا بسيطا، وهي لا تتحمل جوابا نهائيّا وللأسف تعامل معهامعظم مثقفينا وكأنها حالة تتشكل الآن بل وكأنها واقعة ناجزة تشكّلت وتبلورت في حينأنني أراها ظاهرة قد تتقدّم وربّما تتوقف... أرى انّ التعامل معها بالقطيعات والمواقف المسبقة ولغة الحسم والجزم لا يتناسب والظاهرة نفسها، لأنها مازالت تتشكّلوتتكوّن ومن الخطإ إطلاق أحكام مطلقة ووصفها من بعض المثقفين بأنها مؤامرة، وتشخيصيالشخصي للعولمة أنّها مرحلة جديدة من حياة نمط الإنتاج الرأسمالي وهو تشخيصيللمرحلة الحالية، وطور جديد له خصوصيته المختلفة عن الطور السابق الذي كان يقال عنهأنه أعلى مراحل الرأسمالية".
إذن العولمة نقلة نوعية لا تمتّ لمقولة "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية". في الحقيقة فإنّ هذه الأخيرة قد جددت نفسها.فلا وجود لمرحلة أعلى ولا أدنى وهذا الحكم الوثوقي قد ثبت خوره. فالتاريخ لا يخضعللأحكام. لكن صادق جلال العظم يقصد من قوله أن العولمة نقلة نوعية لا تمتّ للمقولةالمذكورة أن العولمة ظاهرة جديدة لا تمتّ للاستعمار والهيمنة في شيء ولذلك وجب الحذر وعدم "إصدار الأحكام المسبقة". لنترقّب إذن ولنتمعّن وعندما تتضح الأموروتجلو لنا ملامح العولمة حينئذ نبدي مواقفنا. متى يكون ذلك؟ هذا ما لا نعلم عنهشيئا. ننتظر ونتلقّى ونتقبّل.
يعتبر صادق جلال العظم أنّه "في المجتمعاتالغربية التي تعيش في رفاه ورخاء ومستوى علميّ متقدّم حيث كلّ الناس هناك مثقفون (!)يختفي المثقف أو يموت". إذن الغرب ليس في حاجة للمثقف والمؤرّخ. يكفيه العلم. إنها نهاية التاريخ والفلسفة وهذه مقولة لفوكوياما. أما في العالم "المتخلّف"فمازالت هناك حاجة للمثقف. لكن أيّ مثقف؟ ذلك الذي يدفع بالمجتمع نحو النموّوالتقدّم وصولا إلى الرخاء ومراكمة الإنتاج وعندها ينتفي دوره بما أنه سيصبح كلالناس مثقفين.
لكن هذا الموقف يتعارض مع موقف سابق عبّر عنه صادق جلال العظم. فبعد أن صرّح بأنّه "تأكّدت لديه سلامة استنتاجاته السابقة" ها هو يتساءل: "هل نحنأمام سيرورة توحيدية للعالم المعاصر ليس اقتصاديا وتجاريا واتصاليا وتكنولوجيا فحسببل وثقافيا أيضا أي بمعنى نشوء وتطوّر بنية ثقافية عالمية عليا تنضاف إلى بنيةالثقافات العالمية... المحلية... هل نشهد في الوقت الحاضر تشكّل نخبة ثقافيةعولمية عابرة للقارات والثقافات والقوميات واللغات". وهو يدمج في هذه النخبمفكّرين ومثقفين من مختلف المشارب: هنتفغتن، فوكوياما، سلمان رشدي، إدوارد سعيدويعتبر كتبهم "طليعة العولمة بامتياز".
أعتقد أن هذا الموقف يمثّل "نقلة نوعية"لدى صادق جلال العظم مثله مثل العولمة. فجيل "الستينيات" كما عبّر عن ذلك العظميترك المجال لجيل العولمة أو بالأحرى ينصر جيل الستينيات في المسيرة العولميةويعتبر مواقفه السابقة مرحلة من الوعي الجنيني وقد حان الوقت لبروز مثقف من طرازجديد يرفض "الأحكام الجاهزة" يتريّث ويتعقّل ويساهم في البناء العولميالثقافي.
إذا كان رمز العولمة هنتنغتن الذي دعا الى صراع الحضارات، إذا كان لابدلنا من المساهمة في هذا البناء العولمي الثقافي العابر للقارات دون اعتبار للمحتوىوالمضمون ففي هذه الحالة تستوي كل المواقف والأفكار. المهم أن نساهم ونبلغالعالمية.
3- هشام جعيّط والحداثة
هشام جعيط مفكّر أكاديمي ومؤرخ، كتاباتهحول تاريخ الحضارة العربية الإسلامية تُعَدُّ مراجع أساسيّة.
يعاين هشام جعيّط "ردّة الفعل على العقلانية المبسّطة و(يتخوّف) على العالم العربيّ أن يستعيد القرنالتاسع عشر الأوروبي ونحن على أبواب الألفية الثالثة".
يحلم مفكّرنا بيومتستفيق فيه الشعوب العربية وتتفتح فيه على منجزات الحداثة "لا يمكن أبدا للعرب أنيلجوا باب الحداثة والمشاركة في العالم المعاصر إلاّ إذا كوّنوا لأنفسهم طموحاعاليا في مجالات الفكر والمعرفة والعلم والفن والأدب وقرّروا بصفة جدّية الأخذ منالغير وما ابتدعته الحداثة في كلّ الميادين". لكن من الذي سيبني ويشيّد هذه النهضة؟ هشام جعيّط لا يراهن على الفئات الضعيفة والمهمّشة والفقيرة. فهو يراهن على "المثقفين ورجال الفن والفاعلين الاقتصاديين الواعين". لكن ها هي ذي "القوىالفاعلة" في غالبيتها منصهرة في الأجهزة البيروقراطية ومنهمكة في بحوثها الأكاديميةومنشغلة بصعودها في سلّم الترقيات والمسؤوليات. أما الفاعلين الاقتصاديين فهممشدودون بألف خيط بمصالح تتجاوز حدود اوطانهم ومندمجون في الحركة التجاريةالعالمية.
هشام جعيّط الذي ندّد بالحرب العراقية الأولى وبالحصار الجائر هاهويرحّب باحتلال العراق و"ينظر إليه بصفة إيجابيّة و(يعتبر) دخول الأمريكان للعراقأمرا إيجابيا... فالوطن العربي لن يتطوّر نحو الديمقراطية إلاّ بالقوّة... ولوأردنا تغييرا جذريا في سبيل الديمقراطية لكان يجب على ألأمريكان أن يقوموا بحربشعواء ضد كل العالم العربي...". هو يتحاشى الحديث عن العولمة ويتعرّض إلى الحداثةالتي يعتبر عناصرها الأساسية مجسّدة في "حرية الصحافة وحرية الميديا التلفزية ورواجالتعليم ودخولنا في المعرفة والتقنية".
لكن هشام جعيّط لا ينطق ببنت شفة عنهيمنة الصحافة الدعائية وعن دور الميديا التلفزية في مجتمع الاستهلاك وعن احتكارالشركات العالمية لأجهزة الإعلام. بالنسبة له لا يمكن ولوج الحداثة إلاّ بتوفّر حدّأدنى من الدخل الفردي ويحدده بـ 3000 دولار سنوياّ (دخل المواطن المصري 1000 دولارودخل المواطن التونسي 2200 دولارا). فـ"تركيا هي البلد الإسلامي الوحيد الذي دخلالحداثة بمتوسط دخل سنويّ يقدر بـ 6000 دولار للفرد الواحد".
ماهو مصير الشعوبوالأمم الفقيرة هل سيطويها التاريخ أو ستمّحي وتكتسحها عجلة العولمة؟ ثمّ هل تساءلمفكّرنا عن أسباب هذا الفقر التي لعلّ أهمّها هيمنة الشركات العالمية الكبرى على خيراتها. كيف السبيل لبلوغ هذا الحدّ الأدنى المطلوب؟ يبدو أنّ الطريقة الوحيدةللخلاص هي التدخل المباشر للقوى العظمى لكي تفرض "التقدم" على الشعوب وتدخلها قسراميدان العولمة. أما الشعوب التي ترفض ذلك فعليها أن تتحمل تبعات موقفها الأرعنفتخضع لعملية قيصرية توكل لجحافل التحرير. نحن إزاء دعوة صريحة للقوى العظمى بأنتسرّع في مشروعها التوسّعي، والغريب أنّ هشام جعيّط الذي يقرّ بـ "تعاطفه مع الشعبالبربري الذي قاوم التوسّع العربي" يرفض هذا الحق الشرعي لباقي الشعوب ويلوم مصرهذا "البلد غير العقلاني لأنها زجّت بنفسها في حروب".
أن تكون عقلانيا وحداثويافذلك يجعل من إخضاعك لشعوب "متخلّفة" و"غير عقلانية" أمرا شرعيا مادامت مهمتك تحضيرهذه الشعوب وإخراجها من سباتها العميق. عولمة الحداثة تشرّع الاستعمار.
IV- النهضة وإعادة التأسيس لمواجهة العولمة
يمكن أن ندرج في هذا الباب عديد المفكرينمع وجود تباينات في كيفية مقاربة العولمة وطرق مواجهتها. لكن ما يجمع هؤلاء هودعوتهم لإعادة البناء والتأسيس.
1- حسن حنفي والتنوير الجديد:
لمواجهةالعولمة يدعو حسن حنفي إلى تنوير جديد يتمّ بمقتضاه "الانتقال من العصر الذهبيالأوّل إلى العصر الذهبي الثاني الذي يمكن الإعداد له في المستقبل... هو عمل جماعيمؤسسي... وذلك حتى لا يزهو علينا الغرب بأنه صانع حضارة تقوم على اكتشافه وحدهالإنسان والتاريخ". كيف السبيل لذلك؟ لابدّ من إخراج أوروبا من مركز الثقلالثقافي العالمي ومن محور التاريخ وردّها إلى حجمها الطبيعي في الثقافة العالميةالشاملة (مرورا) بإعادة بناء الحضارتين... ابتداءًََ من أصولها الأولى في الوحي أيكتبها المقدسة... لتحويلها إلى علم إنساني شامل ومنهاج". الإحياء والتأسيس يشملكل المجالات الثقافية والسياسية والاقتصادية والدينية...
إذن المطروح هو إخراجأوروبا من مركز ثقلها لخلق مركز ثقل عربي إسلامي- أوروبي غربي نستثني منه باقيالشعوب والحضارات (الهندية والصينية والإفريقية). نقاوم الاستشراق بالاستغرابوالمركزية الإثنية بمركزية إثنية أخرى ونزعة الهيمنة بنزعة مقابلة.
2- أبويعرب المرزوقي ونظرية المؤامرة:
"إنّ تحدّي العولمة غير مقصور علينا... لكنّه وثيق الصلة بنا وبالتخطيط للحيلولة القصدية دوننا والنهوض". لابدّ إذن للعربوالمسلمين أن يقوموا بنهضتهم الخاصة وإيجاد فلسفة يختصّون بها كقوم وتكون ذات دوركونيّ "فهناك دور كونيّ يمكن أن ينسب للعرب والمسلمين في استئناف حضورهم التاريخيوالمشاركة في استعادة التوازن العالمي"...
فلسفتنا تستمد شرعيتها من ماضيهاوتستأنف حضورها بالرجوع إلى ابن تيمية وابن خلدون والغزالي وذلك "للقيام بالدورالكوني لقوم لا يمكن أن يكون لهم وجود تاريخي دون بلوغ الكونيّة". فهناك دور كونيللشعوب ذات الرسالات "نهضتنا تصبح بؤرة السؤال العالمي حول مصير الإنسانية كلّها".
إذن مصير الإنسانية رهين نهضتنا وفلسفتنا الخاصّة وهي ستشمل العلوم الفلسفيةوغير الفلسفية وستحوي الأسطوري والشعري والأدبي والديني والسياسي والفلسفي. "هياستئناف... هي تصوّر للزمان التاريخي يكون فيه الماضي دائما مصدر إلهام بحكم كونالحاصل منه هو دائما مصدر الممكن الفعلي، وهذا الوصل هو معنى البقاء فكلّما امتدّالالتفات للخلف امتدّ مثله الإشرئباب إلى المستقبل بأضعاف مضاعفة" مشروعنا وإنكان قوميا لكنه شامل ونتوجه به إلى كل البشرية (كما تتوجه الليبرالية بمشروعها إلىكل البشرية). أبو العرب المرزوقي لا يضع شروطا لهذه النهضة. فلا الحرية ولاالديمقراطية ولا حرية المرأة ولا حصول العامل على حقوقه شروط "كلها تصبح مكابح أمامهذه النهضة بل المطلوب هو القيام بتضحيات وتقديم الثمن الباهض". المرزوقي يطالب العامل والجامعي ورجل الفن أن يضاعفوا من جهودهم ويقدموا الغالي والنفيس أسوة بشعوبآسيا الكادحة وهو معجب أيما إعجاب بالتجارب الآسيوية (اليابان وكوريا الجنوبية)... هذه بالإضافة إلى إعجابه بطريقة تشكل الأمة الألمانية (يشاركه في هذا الإعجاب محمدعابد الجابري). إن المطلوب هو أعادة البناء والتأسيس وتقديم التضحيات وإرساء فلسفةعربية نتوجه بها للعالم كقوم. لكن من سيجيش هذه الشعوب ويدفعها نحو تحقيق هذا الحلم؟من الذي سيقود الركب للحاق بالغرب ولم لا تجاوزه؟ إنه ولا شك في ذلك أمير مستبدعادل أو زعيم فذ قد يفرزه التاريخ فيقفز بنا إلى مصاف الدول المتحضرة.
3- محمدعابد الجابري ونقد العقل العربي:
لا يمكن فهم مواقف الجابري من العولمة بمعزل عنمشروعه الكبير لنقد العقل العربي والذي لا يسع المجال هنا للتعرض له. في ديسمبر1997 عقد مركز دراسات الوحدة العربية ببيروت ندوة حول العرب والعولمة وقدم الجابريورقة تحت عنوان "العولمة والهوية الثقافية: عشر أطروحات". يعتبر الجابري أنالعولمة تعكس إيديولوجيا الهيمنة على العالم وأمركته لأنها تعمل على تعميم نمطحضاري يخص بلدا بعينه هو الولايات المتحدة الأمريكية، لذا فهي تنحو باتجاه القضاءعلى الخصوصية الثقافية...
يعتبر الجابري أن موقف الرفض المطلق والانغلاق الكليكما موقف القبول التام للعولمة وما تمارسه من اختراق ثقافيين لا تاريخيين، فكماالأول سلبي فالثاني يؤول إلى الاغتراب وفسح المجال أمام ثقافة الاختراق.
الحليكمن لدى الجابري في العمل من داخل الثقافة العربية من أجل تجديدها بإعادة بنائها وممارسة الحداثة في معطياتها وتاريخها... وذلك يحتاج إلى اكتساب الأسس والأدوات... وفي مقدمتها العقلانية والديمقراطية. هذا الموقف يذكرنا بآخر عبر عنه الجابري حينيرى "أن الشعوب لا تستعيد في وعيها ولا يمكن أن تستعيد إلا تراثها وما يتصل به". فالتعامل مع روح العصر "يستند على شخصية لها منظوماتها المرجعية الخاصة تستند عليهابوعي وتعود لها بوعي". يتساءل: "كيف يمكن لنا بناء حضارة جديدة حضارة العرب فيالمستقبل؟... بالحلم في حدود الإمكان، الإمكان التاريخي والمنطقي". لابد من "قيامنوع حقيقي من الوحدة العربية وانجاز نوع حقيقي من الثورة الثقافية تستهدف محوالأمية ونشر المعرفة العلمية على أوسع نطاق... (لابد) من المساهمة والإنتاجوالتجديد... فتكنولوجيا الاتصال قد تتيح فرصة جديدة للعالم الثالث ليعمل بحريةواطمئنان على سد الهوة التكنولوجية (وربما تساهم) في القضاء على هيمنة الشركات المتعددة الجنسيات". لابد لنا من أن نقتحم القضايا المتعلقة بالتراث، قضية اللغةوتجديدها، قضية الشرعية وشروط التجديد فيها وإمكانيات تطبيقها وتطويرها.
فالمرحلة موسومة بالنهضة وهي تستدعي الانخراط في الواقع الدولي الجديد وسيلتناالتعبئة الدينية من أجل بناء الذات العربية انطلاقا من التراث وهو المحدد والمنطلق.لابد من اللحاق بالغرب واكتساب ناصية العلم والتكنولوجيا ومقاومة العولمة تستوجبمنا اللجوء إلى نفس أدواتها التي مكنتها من الهيمنة على العالم. هل نفصل الأداة عنالغاية ونقبل بالنتائج ونرفض المقدمات؟ ثم هل هذه التكنولوجيا محايدة أم تحمل فيكنهها مشروعا اجتماعيا؟ هو يريد من الحضارة العربية أن تهضم الفكر الغربي دون أنتفقد هويتها. لكن ماهي الهوية، وكيف نعرفها ومن يحدد معالمها؟ (سنفرد لها مقالاخاصا) هذا هو نفس الموقف الذي عبر عنه الشيخ راشد الغنوشي الذي ينادي "باستيعابمنجزات الحداثة ولكن في سياقنا الخاص". ثم هل أنه يمكن الحديث عن فكر غربي متجانس؟ماهو هذا الفكر؟ هل هو فكر الأنوار؟ هل هو "الفكر" الاستهلاكي؟ هل العقلانية المبسطة والنزعة العلموية في وقت يسلط عليها النقد في الغرب ذاته من حيث أنها تحولتإلى ضرب من العقلنة والوثوقيات؟ الحداثة لها سياقها التاريخي الخاص ولا يمكنإسقاطها أو إسقاط منتجاتها ورفض سياقها لأنه لا وجود لعلوم وتكنولوجيا محايدة فكلهامرتبطة بالاختيارات والدلالات والمعاني التي يحملها المجتمع ولهذا فإن الحديث عناستيعاب منجزات الحداثة والحفاظ على الهوية (أو على صورة وهمية عن الهوية والتراث) لا يستقيم البتة.
4- محمد أركون: الأخلاق لتصحيح مسار العولمة
مشروع أركونالنهضوي يرتكز على ما أطلق عليها بـ"المنهجية التعددية" التي تستفيد من كل العلومبما في ذلك البيولوجيا وبيولوجيا الأعصاب وعلم الوراثة لفهم التطورات النفسية والاجتماعية. للقيام بالنهضة لابد من استدعاء بيولوجيا الأعصاب "لفهم النفسيةالخاصة بالمفكرين والتيارات الدينية من منظور الإنسان العصبي" (يرمز إلى كتابL'homme neuronal لـJean Pierre Changeux وهو كتاب موغل في العلموية والوثوقية)." لا يحق لنا أن ندين التجليات التقليدية والحالية للظواهر السياسية. فما يحصل لهأسبابه ومسبباته فكل ماهو واقعي عقلاني كما يقول هيجل". يرى أركون أن الفوضى التيأثارتها علوم الحياة والبيولوجيا دفعت إلى ضرورة الرجوع الى الأخلاق الدينية فهناكيمكن أن نجد أشياء كثيرة في التوراة والإنجيل ويمكن أن نبني عليها".
إن "انهيارالإيديولوجيات والتحديات التي تطرحها العلوم التجريبية للعقل السياسي والقانوني والأخلاق والفلسفة قد دعمت الحاجة لحلول مستقاة من الديانات التقليدية" العولمةالحقيقية والمرجوة هي "تواصل للمشروع التاريخي للحداثة مع رفع المظالم وإصلاحللمسار". إذن نقبل بالعولمة على شرط أن نصحح مسارها وسيلتنا في ذلك الأخلاقالدينية النابعة من الديانات التوحيدية. ولكن أي دور للهندي والصيني والإفريقي؟ ثمألم تكن الأخلاق مدونة منذ قرون؟ مالذي جعل الإنسان يدير ظهره لها؟ أركون يحولالقضايا السياسية والاجتماعية وقضايا الحرب والسلم إلى قضايا أخلاقية ويدعو إلىحوار الحضارات والأديان والتسامح. هذا الخطاب الإنساني لا يجد له من مستجيب من دعاةالعولمة الجارفة لان المسالة تتعلق بمصالح وخيارات ومخاييل سائدة وبالتالي فإنالليبرالية لن تتراجع عن مشاريعها التوسعية مهما تعالت أصوات رجال الأخلاق.
5- الماركسيون العرب والعولمة
يرى توفيق سلوم أنه لمواجهة العولمة لابد لنا أن "نحول التراث إلى سلاح من أسلحة إيديولوجيا الكفاح" ولكن ما ذا يقصد بالتراث هذاالسلاح الفتاك الذي سنجابه به العولمة والهيمنة الاقتصادية والثقافية؟ هذا ما لايوضحه توفيق سلوم.
أنور عبدالملك دعا منذ عشرات السنين إلى "نهضة عربيةشاملة... تواكب تشكل العالم الجديد ومشروع حضاري... مع ترتيب للقوى والأخلاق".
"الاعتزاز بالذات وبالخصوصية الحضارية يقدم القاعدة التي نستطيع على أساسها أنننتقل إلى الاعتماد على الذات... فليخدم كل ما هو عالمي كل ما هو عربي".
وهويدعو إلى إستراتيجية حضارية لاسترجاع الهوية ويعتبر أن "إطار الحضارة الإسلامية المعاصرة هو الوحيد القادر على صنع نقطة التقاء بين إطارين رئيسيين من الحضاراتالتاريخية: الحضارة الآسيوية والحضارة الهندية الأوروبية" ولذلك لابد لحضارتنا أنتصبح عصرية قومية على أساس أصالتها الموضوعية التاريخية. لكن هل يعرف أنور عبدالملك حضارة لا تاريخية ثم ما معني العصرية وهل هناك حقا أصالة موضوعية معطاة مسبقاتكون قدرنا ولا نساهم في صياغتها وإفرازها؟
أما الطيب التيزيني صاحب "مشروعالرؤية الجديدة" فهو يجزم بان "العرب الذين اخضعوا تقريبا كل اسبانيا في السنوات713 إلى 718 نظر إليهم من قبل أكثرية سكانها ليس كفاتحين وإنما على العكس كمحررين. "فهو يطالب بالتمسك بالقيم الثابتة في مواجهة العولمة. لا مندوحة من "أن تنشأ مقولة جديدة هذه المرة ذات بعد أنطولوجي وجودي ماهوي على صعيد العالم كما على صعيدالأمة العربية... أن نكون أو لا نكون". لابد من نهوض عربي تنويري جديد وذلك يستدعيالقيام بـ"دراسات سوسيولوجية وأخرى فلسفية وأخرى سياسية ورابعة اقتصادية وخامسة انتروبولوجية وسادسة تاريخية"...
للمثقف والخبير والعالم والإطار والنخب دورهام في إعادة الإحياء والتأسيس أما "جماهير الشعب (فهي) متخلفة ومعادية للفلسفة".إن هذا مشروع النخبة تقدمه لجماهير الشعب لتنهض بها لأن هذه الأخيرة غير قادرة علىالوعي الذي نأتيه بها من الخارج باعتبار قصورها ومحدودية رؤيتها.
أما مسعودظاهر فهو يتساءل عن السبيل الكفيل بإعادة بناء الحضارة العربية الإسلامية واستعادة أمجادها وإدخالها العولمة من الباب الكبير ومن موقع النديّة والمساواة والمساهمة فيبناء نظام عالمي جديد... فالعولمة سيرورة تاريخية تتلاقى فيها جميع الشعوبوالثقافات والحضارات من موقع الفعل ورد الفعل... (فهي تسمح) بممارسة أشكال الإبداعالفردي والفعل الثقافي مزودة بأحدث أشكال التكنولوجيا (لابد) أن نطور حضارتنا نحوالأفضل وفي مختلف المجالات وان نجابه العولمة بمقولات التحدي والاستجابة التيأطلقها المؤرخ البريطاني "أرنو طوينبي"... بمشروع نهضوي عربي جديد يسمح لهم بدخولعصر العولمة كقوة بشرية، اقتصادية، مالية وعسكرية ذات تماسك داخلي وعلى أسس وحدويةوقومية أصيلة... (عندها) تحضى حضارتنا باحترام الشعوب الأخرى".
القوة، المال،القوة العسكرية، التحدي الحضاري، رد الفعل، النهضة، الندية، دخول عصر العولمة منموقع القوة، كلها كلمات وتعابير تنم عن حيرة وريبةوشعور بالضعف والقهر إزاءالحضارة الغربية الغازية.المعضلة ليست في العولمة وإنما في كونها همشت العرب. فينفس الوقت الذي نشتم فيه رائحة الإغواء والانبهار بتكنولوجيا الغرب نلمس الحنين الىالماضي التليد والعصور الذهبية.
يعتبر تركي علي الربيعو أن "الخطاب الماركسيقد سقط في حبائل التوفيقية التي ضاقت بالماضي وعجزت عن استيعاب العصر... إنه يسقطفي الهجانة... والفكر الهجين أمه التراث وأبوه علج أوروبي". فخطاب الهويّة القاتلةوالرجوع إلى الثوابت وإعادة البناء والتأسيس كلها حاضرة لدى غالبية هؤلاء المفكرينوإن انطلقوا من مواقف وطنية ومن غيرة على شعوبهم المقهورة والمضطهدة.
vالخلاصة
vسواء تعلّق الأمر بالمؤّيدين للعولمة أو أعدائها فالبارز للعيان أنّ مايثير حمية المفكرين ويقلق مضاجعهم ليست "العولمة الاقتصادية" وتبعاتها على حياةالشعوب والبيئة (وهي مواضيع غائبة) فهم يريدون الانخراط في مجتمع الاستهلاكوالإنتاج، لكنهم يرفضون العولمة الثقافية لأنها تشكل خطرا على الهوّية والتراث أوقل على صورة وهمية عنهما. إنهم يتسلحون بالإرث الحضاري كسند ليقاوموا عولمة اكتسحتكل مجالات الحياة. ثمّ هم يؤكّدون على الخصوصيّة وعلى الآخر في نفس الوقت فيتحوّلالموضوع إلى صراع ومبارزة وتسابق وتلاحق. هم يبنون مشاريع جاهزة للسلطة تستثنيالمواطن وتجعل من المثقف والخبير والنخبة بصفة عامّة طليعة التغيير. إذن هي برامجنخب. في غالبيتهم يقرّون بحتمية العولمة بما أنه "كلّ ما هو واقعيّ عقلاني" حسبهيجل. لكننا نقول أنّ العولمة ليست قدرا وكذلك كل المشاريع الهيمنية التي كانتاحتمالا تاريخيا ساهمت في تحقيقها ظروف معيّنة. فالفاشية والاستعمار وكل أشكالالاضطهاد والهيمنة ليست قدرا وقانونا متعاليا.
نحن لا نريد صراع الحضارات ولاحوارها المشبوه أو تصادمها وتبارزها من أجل الهيمنة. العولمة ليست مخططا محددا بشعبأو حضارة. هي مشروع يشمل كل البشرية ولا يستثني منها طرفا. لابدّ إذن من دعم عرىللتضامن بين مختلف الشعوب من أجل عالم عادل وآمن يحافظ على التنوّع نجنّبه الحروبوالكوارث البيئية وينتفي فيه استغلال الإنسان للإنسان. ربط هذه الجسور يستدعي منالجميع أن يخطو خطوات باتجاه الآخر فيراجع مسلّماته وأحكامه. فلا الحداثة معطى ثابتيجب تقديسه ولا التراث كل متجانس يجب الحفاظ عليه. لسنا أصحاب رسالات ومشاريع.
الغريب أنّ أصحاب المواقف التي تدعو إلى إعادة التأسيس والبناء وتقدّس الماضي وتدعو للرجوع للعصور الذهبية ما تلبث أن تتدرّج نحو تقديس العولمة والمناداة بالانصهارفيها عوض أن تراجع مسلّماتها وتتفتّح على آفاق جديدة والأغرب أنّ هؤلاء المثقفينيعتبرون ذلك تطوّرا موضوعيا مثله مثل قوانين التاريخ ويجزمون بأنهم "قد تأكّدوا منسلامة استنتاجاتهم السابقة".
روح النقد والنقد الذّاتي غائبة والخوف من ولوجالحصون والمحرّمات هاجسهم، لذا تراهم يعلنون التمسّك بالثوابت. وبطبيعة الحال ليستهذه حال كلّ مثقفينا والأرجح أنّ التطورات السياسية والاجتماعية التي تعيشهابلداننا ستساهم في بروز فكر خلاق وجديد.
ما من شكّ أنّ للمثقف دورا هامّا فهويشخّص، يرصد، يراجع، ينقد، يكابد وفي بعض الأحيان يتعرّض للويلات. لكن ذلك لا يجعلمنه مرجعا أو طليعة وبديلا للفعل الجماعي.
لسنا أمام خيارين إمّا العولمة أوالثوابت، الخنوع أو التقوقع. أمّا تصحيح مسار العولمة فهو حلم لأنّ هذه الأخيرة قدانفلتت من عقالها ولا يوجد من رادع لها. فقادتها يدّعون أنّهم يبلّغون رسالة كونيةكلّفهم ذلك ما كلّفهم وهم غير مستعدّين لمراجعة اختياراتهم.









أضف تعليق