... العلمانية حاجة واقعية

بعيداً عن الأيديولوجيا: العلمانيّة حاجة واقعيّة
بقلم: طارق عزيزة
مع تفجّر ثورات الربيع العربي، وخروج الشعوب العربيّة إلى الشوارع لإسقاط أنظمة الاستبداد والطغيان، والسعي لبناء دولة الحرّيات والمواطنة، لم يعد ترفاً فكريّاً الحديث عن مستقبل تلك البلدان وشكل نظام الحكم القادم حتّى في تلك التي لم تسقط الديكتاتوريات فيها بعد. ذلك أنّ مختلف القوى السياسيّة من اليمين إلى اليسار، إسلاميون وعلمانيون، يحملون في خطابهم المعلن راية بناء الديمقراطية ودولة القانون، لكن أيّ ديمقراطيّة وأيّ قانون بل أيّة دولة يريدون فهو ما يبقى في رسم المستقبل . . والنوايا!
ولمّا كان التاريخ الفكري والسياسيّ لتلك القوى جميعها يخلو من ممارسة ديمقراطيّة حقيقيّة سواء داخل تنظيماتهم أو في تعاملهم مع الآخر المختلف، تبقى مصداقيّة ما يطرحون موضع تساؤل.لذا ينشغل هذا المقال بضرورة العمل لفكّ الاشتباك بين الأيديولوجيا والشعار من جهة، وبين السياسة والواقع العمليّ من جهة ثانية، عند الحديث في مسائل المواطنة المتساوية ودولة الحرّيات والديمقراطيّة.
بالتالي لا بدّ من أن تحوي الدساتير القادمة نصوصاً واضحة وصريحة تضمن حماية ما حقّقته ثورات الحرّية والكرامة بأن تقطع الطريق مستقبلاً على أيّ محاولة للعودة إلى الوراء وإعادة إنتاج صيغ استبداديّة بأيديولوجيات أخرى غير التي وسمت الدكتاتوريّات المتهاوية.
من هنا لا بدّ من الوقوف عند المفارقة الكبرى المتعيّنة في كون مقولات عدّة من قبيل: "الديمقراطية ودولة المواطنة وحقوق الإنسان" والتي لا يمكن تصوّر وجودها إلاّ مقترنة بالعلمانية عموماً وعلمانيّة الدّولة بشكل خاصّ، هي المواضيع التي تتبجّح بها وتثقب الآذان بالحديث عنها قوىً وتيّارات رافضة للعلمانيّة بالمطلق تتعوّذ من شياطينها، بل ولا تتوانى أحياناً عن التصفية الجسدية لدعاتها ورموزها إن اقتضت الظلاميّة ذلك. نقصد هنا الأصوليات الدينية عموماً وتيّارات الإسلام السياسيّ بوجه خاصّ، كون الأخيرة من بين باقي الأصوليّات تعدّ الأبرز والأكثر حضوراً وفاعليّة في مجتمعاتنا العربية ذات الغالبية المنحدرة من أصول تدين بالإسلام. عدا عن رهطٍ من المثقّفين والكتّاب والسياسيين "الديمقراطيّين" وبعضهم ذوو ميول إسلاميّة، الذين يحلو لهم أحياناً افتعال جدالٍ حول "أولويّة تطبيق الديمقراطيّة على العلمانيّة"! متناسين أنّ الديمقراطية التي أنجزتها الثورة الصناعيّة هي بنت العلمنة وفصل المجال السياسي عن الدين كما يخبرنا تاريخ نهضة أوروبّة وحداثتها. ويتجاهلون في الوقت عينه حقيقة أنّ نظم الحكم العلمانيّة ليست ديمقراطيّةً بالضرورة لكننا لن نجد نظاماً ديمقراطيّاً حقيقيّاً دون أن يكون علمانيّ الطابع، ما يعني راهنيّة العمل باتجاه نشر العلمانية وترسيخها كمقدّمة ضروريّة على طريق بناء النظام الديمقراطيّ المنشود.
والعلمانية سواء لُفِظت بفتح العين (عَلمانية) تأسيساً على اشتقاقها من (عالم) بحيث تُعنى، تبعاً لرأي الأستاذ عادل ضاهر، "بدور الإنسان في العالم، وبتأكيد استقلالية العقل وقدرته"(1). أو أنّها بكسر العين (عِلمانية) فتحيل إلى (العلم) بحسب ما ذهب إليه الأستاذ ناصيف نصّار"وتتّخذ من المعرفة العلمية الوضعية، كما هي ممثّلة في العلوم الطبيعية بخاصّة نموذجاً لكلّ أنواع المعرفة"(2). في كلتا الحالتين يعنينا هنا معناها الأكثر شيوعاً واستخداماً: "الفصل بين الدين والدولة"، أي فصل المؤسسات والسلطة الدينية والروحيّة عن المؤسسات والسلطة السياسية والدستورية، ما يؤسّس لحيادية الدولة / نظام الحكم إزاء المكوّنات الدينية والطائفية والمذهبيّة وغيرها في المجتمع المعني، أفراداً وجماعات أيّاً تكن عقائدهم وانتماءاتهم، وتالياً عدم تدخّل أو تسلّط أيّ من الجانبين الديني أو السياسي على بعضهما البعض، وضمان كل ما سبق بنصّ الدستور والقوانين النّافذة، وتبنيه ونشره في وسائل الإعلام والمناهج المدرسيّة.
إذاً فثمّة خلل ما سيصيب مجتمعاً متعدّد الأديان والمذاهب والطوائف ما لم تكن ثقافته السائدة (والمقنّنة) ثقافة علمانيّة. ذلك أنّ ثقافةً تتبنّاها و/أو تنتجها مؤسسات المجتمع الرسمية (التشريعيّة والإعلامية والثقافية والتعليميّة) بالاستناد إلى المعتقدات الدينيّة لإحدى مكونّاته ـ بغض النظر عن حجمها العددي ـ سيفتح الباب واسعاً أمام التمييز ضدّ الآخرين المنتمين لعقائد أخرى مختلفة. أقلّه، سيفتح المجال أمام باقي مكونّات المجتمع للمطالبة بحقّ إدارة شؤونها وفق معتقداتها.
في التطبيق العملي توجد أمثلة كثيرة لأنظمة حكم تنتحل صفة العلمانية والديمقراطية وتنسب لنفسها تبنّيهما في حين تبتعد في ممارساتها وآليات عملها عنهما.
من ذلك أن ينصّ الدستور السوري الحالي أنّ "دين رئيس الدولة الإسلام"، وأنّ "الشريعة الإسلامية" مصدر أساسي للتشريع. ثم يتناقض الدستور على نفسه في موادّ أخرى لا سيّما المادة 25 من الدستور، خصوصاً الفقرة 3 منها التي نصّها: "المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات" والفقرة 4 من نفس المادة: "تكفل الدولة مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين" حيث لا يمكن تحقّق المساواة أو تكافؤ الفرص بين المواطنين في ظلّ وجود تمييز واضح وصريح لإحدى فئات المجتمع عن باقي الفئات وتعطيها أفضلية عليها. وذلك كله يتعارض مع (العهود والمواثيق الدوليّة لحقوق الإنسان) والتي وقّعت سورياوصادقت عليها وأصبحت بالتالي جزءاً من تشريعها الوطني.
ولعلّ قوانين (الأحوال الشخصية) المعمول بها في البلدان العربيّة تقدّم مثالاً صارخاً على التضادّ والتعارض بين شعارات الحرية والمساواة البرّاقة وبين التشريعات الوطنيّة والتطبيق العملي على الأرض، حيث تستند تلك القوانين إلى الأحكام الدينية التي تتناقض في كثير من الأحيان مع حقوق الإنسان والقوانين المدنية. ولعل وضعيّة المرأة كما تقنّنها قوانين الأحوال المستمدّة من "الشريعة الإسلاميّة" خير دليل على ذلك. أهليّة المرأة في الإسلام أهليّةٌ ناقصة مهما بلغت على عكس الرجل. فالمرأة لا تستطيع مباشرة عقد زواجها بنفسها، كما أنّها لا ترث إلا نصف حصة الذكر، وحتّى في الشهادة أمام المحاكم شهادة الرجل بشهادة امرأتين، أي أنّ المرأة عبارة عن نصف شاهد، نصف إنسان! أضف لذلك تعدّد الزوجات، والطلاق بإرادة الزوج المنفردة (والحالة الأخيرة ليست حكراً على الإسلام) وكلّ ذلك يتناقض مع القوانين المدنيّة الحديثة ومع أبسط قواعد العدالة وحقوق الإنسان.
كما يحتكم أتباع الديانات الأخرى ـ وحتى الطوائف والمذاهب الإسلاميّة غير السنّيّة: شيعة، دروز. . ـ إلى قوانينهم الخاصّة المستمدّة من عقائدهم فيما يخص الأحوال الشخصيّة. وهي أيضاً لا تقلّ عن الأخرى (الإسلامية) في تناقضها وتعارضها مع القانون المدني وحقوق الإنسان، إلى جانب الخطورة المتمثّلة بالتعدد التشريعي المستند إلى تعدّد مذهبي، وبالتالي التمييز بين المواطنين على أساس منابتهم الدينية، وما ينتجه ذلك من تكريس الانقسامات العمودية في المجتمع. الأمر الذي يجعلنا أمام أطلال دولة لجماعات مختلفة وليس لمواطنين متساوين، وهذا ما يقلّل من إمكانيّة بناء نظام ديمقراطيّ، وفي أحسن الأحوال هناك احتمال إقامة "ديمقراطيّة طوائف" أي ديمقراطيّة زائفة مشوّهة لا تحمل من صفات الديمقراطية إلا اسمها وشيئاً من آلياتها الإجرائيّة. وهذا غالباً ما يكون سبباً في تفكك المجتمع وتشرذمه إلى كانتونات مغلقة، وصولاً إلى خطر انهيار الدولة نفسها. في حين يتناسب الاندماج الوطني للأفراد والجماعات طرداً مع وجود دولة علمانية تتبنّى نهائيّاً مبادئ المواطنة وتجد مرجعيّتها التشريعيّة في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، ولا تسمح بتسلّل أحكام تتعارض معهما إلى دستورها وقوانينها تحت أي ذريعةٍ كانت.
إنّ تيّارات الإسلام السّياسي التي تصف نفسها بالاعتدال، وتعلن تبنّيها لمفاهيم الديمقراطيّة وحقوق الإنسان، ولا تملّ من ترديد عبارات التأكيد على التوافق والانسجام وعدم التعارض بين الإسلام وتلك المفاهيم من خلال ابتداعهم لمصطلح "الدولة المدنية" الذي هو كما وصفه المفكّر التنويري جاد الكريم الجباعي "تلفيق فكري وتلبيس سياسي" وقال عنه الدكتور سربست نبي أنّه "أشبه مايكون بالثرثرة الفارغة عن الماء (السائل) على أنه سائل. ففيه من اللغو والتضليل والخلط ما يثير الارتياب العميق" وأن قوى الإسلام السياسيّ "تتحين, من وراء هذا المفهوم الزائف, احتواء التغيير الديمقراطي الحقيقي والملح وليّ عنقه نحو فخّ المفاهيم الأيديولوجية الفضفاضة كي تنقضّ عليه تالياً وتنسفه بترسانتها الأيديولوجية التكفيرية".
ذلك أنّه بصرف النظر عن مبدأ (الحاكميّة) وما ينتج عنه من إشكالات كبرى، سنأخذ مثالاً مبدأ (المساواة بين المواطنين) والذي يعد ركيزة أساسية لا تقوم قائمة للديمقراطية من دونه، لكنّنا نجدُ استحالة تطبيقه إذا أسقطنا عليه بعض المقولات الأساسيّة في "الفكر الإسلامي" والذي نجزم أنّ الحركات والأحزاب والتيّارات الإسلاميّة سمّيت كذلك لأنها تتبنّى ذلك "الفكر الإسلامي".
نعلم أنّ الحديث عن المساواة يقتضي تناول مستويين رئيسيين. الأول: بين جميع المواطنين على اختلاف منابتهم القومية واللغوية والدينية والمذهبية والجغرافية. والثاني: يتعلّق بالمساواة بين المرأة والرجل. وإذا دقّقنا النظر ـ بعيداً عن أسلوب مجاملة التيّارات الإسلاميّة الذي يتّبعه اليوم كتّاب و"مفكّرون" يدّعون التزامهم بالعلمانيّة والدّيمقراطية ـ سنجد في الواقع أنّ المساواة لا وجود لها على الجانبين. وحتى لا يتهمنا أحد بالتحامل والتجني سنوضح ما ذهبنا إليه بتبيان موقف الإسلام من المرأة ثم من غير المسلمين:
في الجانب المتعلق بالمرأة، المبدأ الأساس "الرجال قوّامون على النساء"، والقوامة تعني ولاية الأمر، فيصبح المعنى: الرجال أولياء أمور النساء. وعليه لا يجوز أن تتبوأ المرأة منصباً فيه قوامة (ولاية) على رجل. ويمتنع أن تتولى المرأة الحكم أو القضاء. تتساوى في ذلك مع أهل الذمة (وهم مواطنو الدولة من غير المسلمين) لكنها تتفوق عليهم في جواز إبداء رأيها في اختيار الحاكم لدى بعض الفرق الإسلامية، على اعتبار أن الآية "وأمرهم شورى بينهم" لم تخص الرجال دون النساء حسب بعض التفاسير. أضف إلى ما سلف مسائل (الأهلية، والميراث، والشهادة) التي مرّ ذكرها، وغيرها الكثير مما يضيق المجال عنه.
أمّا عن الموقف من غير المسلمين، فنجد الفرق الإسلامية كافّة تجمع على أن وضع المسلم في دولة الإسلام يختلف جذريّاً عن غيره من حيث الحقوق والواجبات ولا يزاودنّ أحد أو ينافق في هذه المسألة. ذلك أنّ غير المسلمين من "أهل الكتاب" أي المسيحيون واليهود، الذين يقيمون في "دار الإسلام" ـ وهي التسمية التي تطلق على كلّ أرض يحكمها المسلمون ـ فهم يخضعون لنظامه ويطلق عليهم "أهل الذمة". ولما كان المبدأ الأساسي "لا ولاية لغير مسلم على مسلم" فإنّ مناصب الإمامة (الحكم) والوزارة والقضاء لا تجوز لغير المسلمين وإن جازت بعض الوظائف الثانوية لهم. لقد ميّز الإسلام بوضوح بين حقوق المسلم وحقوق غير المسلم في شؤون إدارة الدولة. ويبرر بعض الفقهاء هذا المنحى التمييزي "بضرورة المحافظة على وحدة الأمة الإسلامية وعلى منعة وقوة هذه الأمة".
جدير بنا أن نلاحظ هنا الغياب الكامل لغير المؤمنين ـ ملحدين أو لا أدريين أو غيرهم ـ في "دولة الإسلام" أو في الفكر الإسلامي، فهم غير معترف بهم أصلاً إلاّ بصفتهم مرتدّين أو ملحدين أو كفّار "والعياذ بالله"! وبالتالي وجوب قتلهم. وهو ما يتنافى كلّياً مع المبدأ الديمقراطي (حرية الاعتقاد). ذلك المبدأ الذي من الممتنع تصوّر أي إمكانيّة لتحقّقه في غير النظم العلمانية التي لا شأن لها سواء كنت ملحداً أم متديّناً أو أيّاً يكن دينك، طالما أنّك لا تخالف القوانين العامّة التي تنظّم المجتمع وشؤونه.
لن نبالغ فنقول أنّ التيّارات الإسلاميّة جميعها تتبنّى هذه الطروحات وستنفّذها بحذافيرها حال وصولها إلى الحكم، لكنّنا من خلال مقولة (ما لا يُدرك كلّه لا يُترك جلّه) نستطيع الجزم أنّ جزءاً غير يسير من تلك الطروحات (وغيرها ممّا لم يتّسع المقام لها) ثابتة وغير قابلة للنقاش ولن تخلو منها برامجهم النظرية وتطبيقاتهم العملية، وهي كما أوضحنا بعيدة كلّ البعد عن قيم الحداثة.
وعليه فالحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان ودولة المواطنة، هو حديث غير ذي موضوع ما لم يقترن بتبنّي العلمانية صراحةً وبدون تردّد أو تحفّظ. وليبق الدين في الكنيسة أو الجامع أو المعبد، آمناً سالماً حيث مكانه الطبيعي، ينظّم علائق الإنسان الروحية مع الغيب، ولا شأن له فيما عدا ذلك.
وإذا كانت تجارب بعض النظم العلمانيّة قد نأت في ممارساتها عن الديمقراطيّة، فذلك لا يلغي استحالة تحقّق تجارب ديمقراطيّة حقّة ما لم تقترن بالعلمانيّة، إلا إذا أردنا دفن رؤوسنا في الرمال واختزلنا الديمقراطيّة ببعض آلياتها الإجرائيّة كصندوق الاقتراع للوصول إلى "ديمقراطيّة العدد" التي يراهن عليها الإسلاميّون.
من هنا نرى عدم إمكانيّة تحقّق قيم المواطنة وحقوق الإنسان بمعزل عن العلمانيّة، لأنّ كل تيار سياسي ديني لا يمكن أن يتوافق مع حداثة الدولة ونظام الحكم الديمقراطي, فهو بالأساس يرفض بالمطلق مسألة المرجعية البشرية للتشريع، ويحيل إلى غيبه وآلهته وتفسيراته "للمقاصد الإلهيّة" الكيفية التي بها سيحكم البلاد والعباد.
على أنّ ذلك كلّه يجب ألاّ يكون ذريعة لرفض التغيير وتأبيد الاستبداد خوفاً على علمانية زائفة تدّعيها نظم استبداديّة، ترفع فزّاعة الإسلاميين في وجه الداخل والخارج، لتسقط عن الانتفاضة طابعها الشعبي الوطني العام، وتخفّضها إلى كذبة المؤامرة الإمبرياليّة وأدواتها من الجماعات السلفيّة والتكفيريّة. الرواية التي لا زال رهط غير قليل من "المثقّفين" يختبؤون وراءها ليبرّروا خوفهم واستنقاعهم وتخلّفهم عن حركة التغيير.
هوامش:
(1) أوردها كنعان الخوري حنّا في مقال بعنوان(ما بين الدولة والدين في القومية الاجتماعية) منشورة في مجلّة فكر، العدد106، أيلول ـ تشرين الأول 2009، ص71.
(2) المصدر نفسه.
المصدر : . . موقع منارات









أضف تعليق