الأسس التي تبني عليها الشمولية السياسية والاجتماعية والدينية
القضاء علي الأمية الأبجدية والثقافية والسياسية، نقطة البداية في أي إصلاح شامل، وفرض واجب علي السلطة في أية دولة، حتى تنقل الشعب من البداوة الي الحضارة، ومن الخرافة الي الثقافة، ومن العفوية الي التنظيم، ومن الفوضي الي النظام، ومن التبعية الي الاستقلال الوطني والذاتي. وبغير ذلك ودونه، فأي كلام عن الإصلاح هو محض حديث بلا طائل، أو حرث في الماء، أو زرع في البيداء، لا يفيد بل يضر، إذ يبدد الطاقات عبثاً، ويضيع الزمان بددا، ويخدر الشخوص والشعوب بوهم الأمل الكاذب، ودعاوي النصر المفتعل، حتي إذا أفاق من خدره، وجد نفسه وقد سقط من خالق، سبقته أقل الأمم وتفوقت عليه أدني الدول، بينما هو يتسول طعامه، ويتكفف حمايته، ويدفع في سبيل ذلك كرامته ومبادئه ومستقبله. فللقضاء علي الأمية الأبجدية والثقافية والسياسية وجهان، أحدهما التزام التنوير الحقيقي، وثانيهما معرفة السبيل الحق الي هذا التنوير، ألا وهو تفكيك التراث الشمولي Dismantling Of The Totalitarian Tradition وهو النقطة الرابعة في برنامج الإصلاح الشامل. التراث الشمولي موجود منذ القدم، لكن أول من صاغه وكشف عنه كتابة كان أفلاطون (حوالي 427-347ق.م) وهو الفيلسوف الاغريقي الشهير، تلميذ سقراط وأستاذ أرسطو. وكان قد فر من أثينا بعد أن أعدم الطغاة الجهال أستاذه سقراط، وذهب سيراقوسه Syracuse في جزيرة صقلية، حيث رحب به الطاغية ديونيوس (حوالي 430-367 ق.م) فأقام معه فترة وعمل مستشاراً له، ولما عاد الي أثينا أقام مدرسة في أرض كانت مملوكة للبطل أكاديموس، ومن ثم سميت بالأكاديمية. واتخذت هذه الأكاديمية شعاراً لها، هو المأثور الفيثاغوري، ذي الأصل المصري (إن المعرفة أعظم سبيل الي التطهير). وعمدت الأكاديمية الي تعليم الشبان أفكاراً وآراء، ومفاهيم وتعاليم، تؤدي الي إنشاء المدينة الفاضلة . وفي هذه المدينة التي رسمها أفلاطون في كتابيه الجمهورية و القوانين ، انحرف عن تعاليم أستاذه سقراط عن العدالة والجمال والكمال، خاصة بعد ان كان قد تشرب الاسلوب الشمولي Totalitarian الدكتاتوري Dictatorship الذي كان يتبعه طاغية سيراقوسة، والتي أصلها (بتشديد الطاء) له أفلاطون، وقعدها (بتشديد العين) ونظرها (بتشديد الظاء) علي نحو صار متبعاً في كل نظام شمولي دكتاتوري، منذ وقته وحتي العصر الحالي. يشبه أفلاطون حكام الدولة بالرعاة. ولفظ الراعي وجد في الأدبيات المصرية القديمة، فلقد كان رع سيد (أورب) الشمس راعياً للناس، ووصف المخلص المنتظر، (بتشديد وكسر اللام) بأنه الراعي الذي ينظر الي قطعانه، وهو معني كان يجري استعماله علي المجاز المصري المشهور كيما يفيد معني العناية بالناس والرفق بهم. لكن اللفظ في كتابات أفلاطون حاد، (بتشديد وضم الدال) يعني الحراسة التي تهدف الي حماية القطيع (وهو المعني الذي تسرب الي لغة السياسة، ليصف المحكومين بأنهم الرعية، قبل ان يتطور الوصف ليعدوا مواطنين ينتسبون الي الوطن وليسوا رعايا يقودهم ويسوسهم الحاكم ). يؤكد وجهة نظر أفلاطون في هذا المعني ما يتردد في كتابه القوانين The Laws من ان فن حكم الناس لا يختلف بالضرورة عن فن حكم الماشية وتربيتها. ويضيف أفلاطون ان الحكام قد يقولون الدولة نحن وأنهم الدولة بحق (وهو ما صاغه لويس الرابع عشر ملك فرنسا في قولته المشهورة : الدولة أنا L' Etat c' est moi ، ولهذا فإن الحكام هيئة، لا يمكن ان يسوسها أحد غيرها، وعن طريق حكمتها يعرف ما هو خير لغيرها، أي خير للسواد الأعظم من الناس. في جمهورية أفلاطون، أو مدينته الفاضلة، يسيطر الحكام علي التربية والآداب والفنون، حيث تخضع كلها للرقابة والتكيف مع مصالح الرعاة ( الحكام ). بل ان الشعر والفن والموسيقي يتحتم ان تكون مسايرة لمقتضيات السياسة، وهي سيطرة تؤدي ان تستأصل (بضم التاء الأولي) من الجمهورية جميع الآداب القومية، بل وكل ما أصبح يعبر عن مجد الأوطان (وبهذا تكون السلطة المسيطرة مدمرة للقومية والوطنية والحضارة). فالمفهوم الرئيسي في السيادة لدي أفلاطون هو سيادة الدولة، وهي دولة المدينة state city أو police city . فالدولة وحدها هي التي يمكن ان تكون كاملة وأن تكفي نفسها، ولا يكون الأفراد إلا ناقصين. والدولة وحدها هي التي يمكن ان تبقي ثابتة غير متغيرة، أما الأفراد فمصيرهم الي الزوال في تعاقب سريع، ومن ثم وجب ان يخضع الفرد للدولة، وأن يضحي عند الضرورة في سبيلها. ومن المتعين ان يكون للدولة رئيس، وهو قائد مطلق، وبغير ذلك لا يمكن للدولة البقاء. ومهما يكن من أمر، فإنه متي قام القائد وجبت طاعته في تسليم كامل حتي في أتفه الأمور. وفي ذلك يقول أفلاطون في كتابه القوانين انه من اللازم (... ألا يتعود عقل... ان يقدم علي فعل، مازحاً أو جاداً، بباعث من نفسه، بل يتعين عليه... أن يتطلع الي قائده وأن يتبعه حتي في أتفه الأمور... من ذلك ان يستجيب لأمره حين يقف أو يتحرك أو يغتسل أو يتناول وجبات طعامه... متي تلقي أمرا بذلك... وعلي العموم، ألا يعلم نفسه أو يعودها ان تعرف أو تفهم كيف تأتي فعلاً وهي مستقلة عن غيرها). في هذه الدولة يقدم أفلاطون ديانة تختلف اختلافاً بيناً (بتشديد وكسر الياء) عن الديانة الشائعة في وقته، فهو يري ضرورة إكراه المواطنين جميعاً علي الاعتقاد في الهه، وإلا كان عقابهم الاعدام أو السجن، كما يصر علي أن أية حرية في المناقشة محرمة في النظام الذي يفرضه. وهو لا يعني ( بضم الياء) بما إذا كانت الديانة حقيقية أم غير حقيقية، صحيحة أو غير صحيحة، لكنه يهتم أساساً بما لهذه الديانة من أثر في كيان الدول وحفظ النظام فيها. ( أ ) فأفلاطون الذي تعلم من أستاذه معاني النبل والعطاء والحرية والجمال والكمال، انقلب عليها جميعاً عندما خالط طاغية، فاضطر الي تبرير الطغيان، ثم كتب بما يكشف ولا ينشئ، هذا الطغيان الموجود من أقدم الأزمنة وحتي العصر الحالي. (ب) وهو يتكلم عن الدولة، التي كانت في عصره دولة المدينة، وليست الدولة بمعناها ومفهومها المعاصر. وفي ذلك فقد خلط بين الدولة State وبين الحاكم، سواء كان نظاماً Regime أو كان طاغية Terrany . دليل ذلك أنه عاد بعد الكلام عن الدولة الي ضرورة وجود قائد لها، صرف له كل حقوق الدولة وقصرها عليه. (ج) وقد جعل الأساس في بقاء الدولة طاعة الحاكم، والتسليم له حتي في أتفه الأمور، حتي لينبغي التضحية بالنفس من أجله ومن أجل بقائه، بعد أن خالط بين الحاكم والدولة، ووافق بين الدولة ونظام الحكم فيها. (د) وهو يصف هذا الحاكم بضرورة أن يكون حاكماً وقائداً مطلقاً، ويزعم أنه بغير ذلك لا يمكن للدولة البقاء، فهو من ثم قد اختزل الدولة، وهي كيان معنوي ذي عناصر كثيرة، في الحاكم القائد المطلق، وتصور خطأ ان بقاء الدولة (يقصد نظام الحكم) لا يكون إلا بوجود حاكم قائد مطلق، مع ان حياة أي حاكم هي الي زوال، ومن ثم فهو يصرف ما يعنيه بالحاكم الي نظام الحكم عموماً، بحيث يكون نظاماً شمولياً مطلقاً، لا يسمح بوجود شخص أو رأي الي جوار الحاكم، فإذا مات تبعه آخر من ذات النمط ونفس الأسلوب. (ه) وهو يؤكد ضرورة ألا يتعود عقل ( حتي العقل وليس المرء) ولو في أتفه الأمور أن يقدم علي فعل، مازحاً أو جاداً، بباعث من نفسه بل يتعين عليه أن يتطلع الي القائد ( أو الزعيم ) وأن يتبعه في كل شيء، رغبة أو رهبة، من ذلك ان يستجيب لأمره حين يقف أو يتحرك أو يغتسل أو يتناول وجبات طعامه. وعلي العموم، ألا يعلم نفسه أو يعودها ان تعرف أو تفهم كيف تأتي فعلاً وهي مستقلة عن غيرها. (و ) وقد رسم لهذه الدولة، أو بالأحري لهذه الزعامة أو القيادة، ديانة يكره المواطنين جميعاً علي الاعتقاد في الاله الذي تصورها لهم، وإلا عوقبوا بالسجن أو بالموت. ولا يجيز حرية المناقشة في النظام الذي يفرضه القائد، بما في ذلك الديانة التي يقدمها لهم، والإله الذي يصوره لهم. لأنه لا يلزم في هذه الديانة ان تكون حقيقية صادقة صحيحة، إنما المهم فيها أن تكون ذات أثر في كيان الحكم وحفظ النظام فيه. (ز) ويري أفلاطون ضرورة ان يتحكم النظام في الشعر والفن والأدب، بحيث تكون هذه كلها موجهة. وبهذا يكون قد استبق نظرية الفن للفن أو الفن للسلطة التي تدمج أحياناً في المجتمع، فيقال ان في ذلك صالح المجتمع، بينما الحقيقة انه في صالح السلطة. وفي مكان آخر، قرر أفلاطون ضرورة نفي الشعراء خارج الدولة (المدينة)، وذلك لأن الشعراء آنذاك، وحتي وقت في الماضي غير بعيد، كانوا هم المعبرين عن آمال الناس والناطقين بأحلامهم، وكثيراً ما تمردوا علي النظام الصارم الذي يكون نتيجة حتمية للنظام الشمولي وللحكم الدكتاتوري. ذلك لأن في طبيعة هؤلاء الشعراء، والفنانين والمفكرين، ضربا من عدم النظامية، اللازمة للحيوية الإنتاجية، والتي يراها البعض شذوذاً فيهم أو غرابة منهم، لأنهم يخرجون منها علي النظام الجامد مهما كان بطشه ويعبرون عن طبيعة الحياة وروحية الكون في الطلاقة والحرية ورفض القيود. أما أخطر ما في كتابات أفلاطون فهو ما ذكره بشأن الديانة، وضرورة فرضها بالقوة، ومعاقبة من لا ينتمي اليها أو يناقشها بالسجن أو الموت، حتي ولو لم تكن هذه الديانة حقيقية، إذ يكفي فيها ان تكون ذات فائدة للدولة أي للقائد أو الزعيم أو السلطة. تلك هي الأسس التي تنبني عليها الشمولية الاجتماعية والشمولية السياسية والشمولية الدينية، وهي التي لابد من تفكيكها، وتقويض ما انبني عليها من عادات واتجاهات ومباديء ومسالك، وذلك موضوع الدراسة القادمة (يتبع)
المستشار محمد سعيد العشماوي مفكر وكاتب مصري
Email:saidalAshmawy@hotmail.com









أضف تعليق